أحدث الأخبار

يكتب,مقالات,المؤشر,مروان حمدون

رئيس التحرير
عبد الحكم عبد ربه
حين يمرض المكان كيف نفقد ما نظنه ثابتًا؟

حين يمرض المكان كيف نفقد ما نظنه ثابتًا؟

هناك أماكن لا ندخلها فحسب، بل تدخل فينا، تبقى في الذاكرة لا كصورة، بل كطبقة من الروح. طريق عرفناه في الصغر، شجرة كنا نظن أنها لن تموت، ساحة مررنا بها مئات المرات حتى صرنا نعاملها كما لو كانت جزءًا من انتظام العالم نفسه. بعض الأمكنة لا نحبها لأننا تأملناها طويلًا أو فهمناها جيدًا، بل لأننا اعتدنا وجودها إلى الدرجة التي جعلتنا نصدق أنها ثابتة، راسخة، باقية في موضعها، تؤدي دورها الصامت في تثبيت أيامنا من دون أن تطلب منا انتباهًا خاصًا.

ثم نعود إليها بعد زمن، فنقف أمامها بشيء يشبه الحيرة.  

لا يكون الخراب واضحًا بالضرورة. الجدران ما زالت قائمة، الطريق ما زال في مكانه، اللون العام للمشهد لم يتغير كليًا. ومع ذلك، نشعر أن شيئًا ما قد انسحب. كأن المكان لم يعد يفتح لنا بابه الداخلي كما كان. كأن الهواء نفسه فقد نبرته القديمة. لا نستطيع أحيانًا أن نسمي ما تغيّر، لكننا نحسه بحسّ غامض وحاد في آن واحد: هذا المكان ليس بخير.

في العادة، نتحدث عن مرض الإنسان والحيوان والنبات، لكننا نادرًا ما نمنح المكان هذا الحق اللغوي. كأن المرض لا يصيب إلا الأجساد الحية الواضحة، أما الأماكن فإما أن تكون موجودة أو مهدمة، عامرة أو مهجورة، جميلة أو قبيحة. هذه لغة قاسية ومختزلة. لأنها تتعامل مع المكان بوصفه شيئًا جامدًا، بينما نعرف في أعماقنا أن المكان أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. هو ليس مجرد مساحة تشغلها الأشياء، بل وعاء للذاكرة، ومسرح للعلاقات، وخزان للمعنى، وأحيانًا مرآة صامتة لما صرنا عليه. لهذا، فإن السؤال ليس بلاغيًا حين نقول: هل يمرض المكان؟   بل لعل هذا السؤال من أكثر الأسئلة واقعية، لأننا إذا تأملنا حياتنا جيدًا، سنجد أننا نعيش في أماكن صحيحة وأماكن منهكة، في شوارع مرتاحة إلى نفسها، وأخرى يعلو على تفاصيلها التعب، في مواقع ما زالت تحتفظ بكرامتها، وأخرى تشعر فيها أن شيئًا من جوهرها قد تم تبديده، حتى لو بقيت صورتها الخارجية مقبولة.

مرض المكان لا يعني فقط التهدم، ولا يبدأ فقط حين يظهر الخراب في أكثر صوره صراحة. أحيانًا يكون المرض في التآكل البطيء، في الغياب المتدرج للمعنى، في تحول الموقع من كيان له شخصية إلى خلفية عابرة، في أن يبقى الشيء قائمًا لكن يفقد احترام الناس له، أو يفقد قدرته على أن يُرى حقًا. هناك أماكن تنهار بالحفر والجرافات والقمامة والاقتلاع والضجيج. وهناك أماكن تنهار بطريقة أكثر هدوءًا: بالنسيان، بالابتذال، بالاستهلاك السريع، باللغة الفقيرة التي نصفها بها، وبذلك النوع من الاعتياد الذي يجعلنا نمر على التغيير كما لو كان طبيعيًا.

وما يجعل هذا المرض معقدًا أن المكان لا يملك صوتًا يحتج به.   هو لا يكتب شكواه، ولا يرسل إنذارًا، ولا يصرخ في وجوهنا. إنما يرسل إشارات أهدأ وأكثر إرباكًا. تتراجع القدرة على الإصغاء إليه. يقلّ حضوره في وجدان الناس. يختفي من الكلام الجاد، ثم من الذاكرة العامة، ثم من دوائر الاهتمام. وقد يبقى واقفًا بعد ذلك سنوات طويلة، كأنما هو حي، بينما يكون في الحقيقة قد دخل مرحلة الإنهاك العميق.

كثيرًا ما نظن أن المكان شيء خارجنا، وأن علاقتنا به علاقة استخدام فقط: نسكنه، نزوره، نعبره، نصوره، نستهلك خدماته، ثم نمضي. لكن الحقيقة أن المكان يشكلنا بقدر ما نستخدمه. هو الذي يعلّم العين كيف ترى، والخطى كيف تسير، والروح كيف تتعلق. في الأماكن المحفوظة جيدًا، أو المأهولة بمعنى حي، ينشأ الإنسان وهو يشعر أن للعالم وزنًا، وأن الأشياء ليست متروكة عبثًا. وفي الأماكن المريضة، التي فقدت نظامها أو كرامتها أو قصتها، يتسرب إلى الناس نوع من البلادة. لا يعودون يرون التدهور كما هو، بل يعتادونه. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: حين يمرض المكان، لا يمرض وحده، بل يُمرِض علاقة الناس بما حولهم.

من الصعب أن نفسر هذا المعنى بلغة تقنية بحتة. فالمكان لا يتكون من الحجر والتربة والماء فقط، وإن كانت هذه أشياء أساسية فيه. إنه يتكون أيضًا من طبقات غير مرئية: الحكايات التي قيلت فيه، الأسماء التي حملها، الذكريات التي التصقت به، طقوس المرور داخله، نظرة الناس إليه، نوع الصمت الذي يسكنه، وهيبة التفاصيل الصغيرة التي قد لا يلاحظها الزائر العابر أصلًا. لهذا قد يبدو الموقع سليمًا في الصورة، لكنه في الحقيقة فقد واحدًا من أعمدته الأهم: المعنى.

وهذه كلمة كثيرًا ما تُستخدم باستخفاف، مع أنها جوهر المسألة كلها.

 المعنى هو ما يجعل المكان أكثر من موضع. أكثر من إحداثيات. أكثر من شيء “جميل” أو “مفيد”. حين نفقد معنى المكان، نصير قادرين على تشويهه بسهولة، لأننا لم نعد نراه إلا من الخارج. يصبح من السهل أن نختزله إلى منظر، أو إلى خدمة، أو إلى أرض فارغة قابلة لأي استخدام، أو إلى نقطة مرور لا تستحق التوقف. وكلما تراجع المعنى، صار الاعتداء على المكان أسهل، لأن الاعتداء الحقيقي يبدأ في الإدراك قبل أن يبدأ في الفعل.

ربما لهذا السبب يكون بعض الخراب غير مرئي في بدايته.   لا يأتي دائمًا في صورة صدمة كبيرة. يأتي أحيانًا في هيئة تفاصيل ضئيلة: لافتة مكسورة لا تُصلح، مسار يُستهلك أكثر من اللازم، حضور بشري كثيف بلا وعي، لغة دعائية تختزل المكان في بضع صفات فارغة، معرفة محلية تتراجع، اسم قديم يختفي، عين لم تعد ترى إلا ما يصلح للصورة السريعة. كل هذا يبدو بسيطًا إذا نُظر إليه منفصلًا، لكنه حين يتراكم يصنع ما يمكن أن نسميه، دون مبالغة، الاعتلال الداخلي للمكان.

وما يزيد الأمر قسوة أننا لا ننتبه غالبًا إلا متأخرين.

 نفيق بعد سنوات لنقول إن المكان تغيّر. والحقيقة أنه لم يتغير فجأة، بل كان يرسل لنا إشاراته الصغيرة طوال الوقت. لكننا كنا مشغولين بما هو أعلى صوتًا: الأخبار، العجلة، العائد السريع، المشهد السهل، الصخب الذي يجعل كل ما هو عميق يبدو كأنه مؤجل إلى وقت آخر. وهكذا يصبح التدهور جزءًا من العادي، ويصير الاعتراض عليه نوعًا من الحساسية الزائدة في نظر البعض، مع أنه في الحقيقة علامة على أن شيئًا جوهريًا في علاقتنا بالعالم ما زال حيًا. ليست المشكلة، إذن، في أن المكان يتغير.

 التغير قانون الحياة. ولا يوجد مكان محكوم بالثبات الكامل. المشكلة في نوع التغير: هل هو تغير يضيف إلى المكان طبقة جديدة من الحياة، أم يسحب منه طبقاته القديمة دون أن يمنحه بديلًا؟ هل هو تطور يحفظ الكرامة والمعنى، أم مجرد استهلاك يترك الأشياء قائمة من الخارج ومستنزفة من الداخل؟ ليس كل جديد تحسنًا، كما أن ليس كل قديم مقدسًا. لكن بين هذين الطرفين مساحة واسعة من التمييز الأخلاقي والجمالي والمعرفي، وهي المساحة التي صرنا نهملها كثيرًا.

من هنا، فإن الكلام عن مرض المكان ليس حنينًا فارغًا إلى الماضي، ولا بكاءً رومانسيًا على ما مضى، ولا رفضًا لأي استخدام أو تطوير. إنه، في جوهره، محاولة لاستعادة حسّ أساسي كاد يضيع: أن للمكان حرمة، وأن له شخصية، وأن علاقتنا به ليست مسألة تقنية فقط، بل مسألة أخلاقية أيضًا. كيف ندخل؟ كيف ننظر؟ كيف نتكلم عنه؟ كيف نستخدمه دون أن نمحوه؟ كيف نسمح له أن يبقى أكثر من مادة خام لرغباتنا السريعة؟

بعض الناس يظنون أن حماية المكان تبدأ بالقانون، أو بالخطة، أو بالترميم، أو بالتسييج، أو بالمراقبة. وهذه كلها أدوات مهمة بلا شك. لكنها لا تكفي وحدها. لأن المكان قد يكون محميًا في الأوراق، ومريضًا في الواقع. وقد يكون قائمًا من الناحية الشكلية، لكنه متروك لنوع من الفراغ المعنوي الذي يفرغه من روحه بالتدريج. الحماية الحقيقية تبدأ أبكر من ذلك: تبدأ من طريقة النظر. من الاعتراف بأن ما حولنا ليس كتلة صامتة مباحة دومًا، بل عالم له حق في أن يُفهم قبل أن يُستخدم، وأن يُحترم قبل أن يُستهلك.

ولعل أخطر ما في مرض المكان أنه يكشف شيئًا عنّا نحن، لا عنه وحده.

 فالمكان لا يمرض من تلقاء نفسه عادة، بل من خلال علاقة بشرية مختلة به: جهل، استهانة، طمع، نسيان، أو حتى محبة غير منضبطة. ولهذا فإن السؤال عن صحته يقود، في النهاية، إلى سؤال آخر أكثر إزعاجًا: ماذا حدث لحسّنا نحن؟ كيف صرنا نمر على التعب المتراكم في الأمكنة دون أن نرتبك؟ كيف انخفضت قدرتنا على التمييز بين الحي والمستنزف، بين العامر حقًا والمزدحم فقط، بين ما يحتفظ بروحه وما فقدها ولم يبق منه سوى الشكل؟

حين نقول إن الإنسان يحتاج إلى بيت صحي، ومدينة صالحة، وبيئة سليمة، فنحن لا نتحدث عن رفاهية جمالية، بل عن شرط من شروط الحياة الكريمة. وكذلك الأمر مع المواقع الطبيعية والثقافية، ومع الفضاءات العامة، ومع المشاهد التي تتشكل فيها ذاكرة الناس الجماعية. المكان السليم ليس مجرد مكان نظيف أو مرمم، بل مكان ما زال قادرًا على أن يوقظ الانتباه، ويستضيف المعنى، ويقاوم الاختزال، ويمنح من يمر به إحساسًا بأنه دخل في علاقة، لا في عملية استهلاك عابرة. لهذا كله، ربما يجب أن نبطئ قليلًا قبل أن نحكم على الأشياء من ظاهرها.  حين نرى مكانًا قائمًا، لا ينبغي أن نسأل فقط: هل ما زال موجودًا؟  

بل: هل ما زال حيًا؟ هل ما زال يُرى؟ هل ما زال يُفهم؟ هل ما زال له موضع في الذاكرة والوجدان؟ هل ما زال الناس يقتربون منه باعتباره شيئًا يستحق الاحترام، لا مجرد فرصة للمرور أو التصوير أو الربح أو التكرار؟

هذه الأسئلة لا تخص النخبة ولا الخبراء وحدهم. إنها تخص كل من يعيش في مكان ويظن أنه يعرفه. لأن فقدان المكان لا يحدث فقط حين يختفي من الخريطة، بل يحدث أيضًا حين يظل في موضعه بينما تنقطع الصلة الحقيقية به. عندها يبقى الشكل، وتبدأ الروح في التراجع.

وربما تكون هذه هي البداية الصحيحة لأي حديث جاد عن الطبيعة، والتراث، والمدينة، والزيارة، والتعليم، والحماية: أن نعترف أولًا بأن الأماكن ليست معصومة من الإنهاك، وأن ثباتها الظاهري قد يخدعنا، وأن ما نظنه راسخًا قد يكون، في صمت، يطلب النجدة. فالمكان، مثل الإنسان، لا يسقط عادة دفعة واحدة.

 إنه يتعب أولًا.  ويُهمَل.  ويُساء فهمه.  ويُنسى.  

ثم يأتي يوم نلتفت فيه إليه، متأخرين، ونسأل بدهشة:  متى حدث كل هذا؟   عن المؤلف مروان محمود كمال حمدون أكاديمي وباحث مصري في مجالي التراث الطبيعي والثقافي، ويعمل مدرسًا مساعدًا بقسم الإرشاد السياحي بكلية السياحة والفنادق، جامعة الفيوم. يتركز مشروعه البحثي على حفظ وتفسير التراث الجيولوجي والطبيعي في مصر، مع اهتمام خاص بالمناطق المحمية، والمعرفة المحلية، وأخلاقيات التعامل مع المكان بوصفه حيزًا حيًا تتقاطع فيه الطبيعة والذاكرة والهوية.

ينتمي المؤلف إلى دوائر علمية ومهنية معنية بالبيئة وصون التراث، ويشارك في أعمال وأنشطة ذات صلة باللجنة الوطنية للعلوم البيئية وصون الطبيعة، وهو ما يعكس انشغاله العملي والفكري بقضايا الحماية، والتفسير، والعدالة المعرفية، ودور المجتمعات المحلية في صون المواقع الطبيعية والثقافية.

إلى جانب مساره الأكاديمي، يكتب مروان في الأدب الإبداعي، وله اهتمام خاص بالسرد التأملي والكتابة التي تمزج الحس الإنساني بالأسئلة الوجودية والبيئية. وتتحرك كتاباته بين البحث والمقالة والتأمل والسرد، سعيًا إلى بناء لغة ترى المكان لا بوصفه خلفية صامتة، بل كائنًا حاملًا للمعنى، ومرآةً دقيقة لعلاقة الإنسان بالعالم.