مروان حمدون
الفصيل الهجين: خطاب بلا وطن
لم يعد المشهد منقسمًا ببساطة بين يسار ويمين، ولا بين إسلاميين ومدنيين. هناك فصيل جديد يتشكل بهدوء: لا ينتمي تنظيمًا لأي تيار تقليدي، لكنه يتحرك بمنطق ثابت ومتكرر. فصيل هجين، لغته “تقدمية”، مرجعيته “أخلاقية”، ووجهته غالبًا واحدة: الاشتباك مع فكرة الدولة نفسها… لا مع سياسات بعينها.
استيراد الأزمة: مشكلات بلا منشأ
الملمح الأبرز لهذا الفصيل أنه يستورد “المشكلة” قبل أن يستورد الحل. يتبنى مسميات وقضايا نشأت في سياقات تاريخية واجتماعية مختلفة جذريًا عن واقعنا، ثم يفرضها كأولويات قصوى. يتكلم عن “العدالة الجندرية” و“الاستعمار الداخلي” و“تفكيك البطريركية” بمفهومها الأكاديمي الغربي، دون سؤال بسيط: هل تتجسد هذه المفاهيم عندنا بنفس الشكل؟ وبنفس الحجم؟ وبنفس الأسباب؟ بالنسبة له، المشكلة موجودة لأن الكتالوج العالمي يقول ذلك، لا لأن الواقع المصري أو العربي يطرحها بهذا التعريف وبهذا الإلحاح. ثم يأتي الدور على التفسير الجاهز: الاستعمار هو أصل كل شيء، والرأسمالية سبب كل خراب، والبطريركية هي البنية الحاكمة لكل علاقة اجتماعية. سردية واحدة تُختزل فيها حياة الناس، وتُختزل فيها الدولة، وتُختزل فيها السياسة.
لكن المفارقة أن هذا الفصيل ينجح في الهدم الخطابي أكثر مما ينجح في إنتاج بديل واقعي. يعارض كثيرًا، ويبني قليلًا… أو لا يبني أصلًا.
بين مراهقة السياسة وصفاء الأخلاق
هنا تظهر عقدته الأوضح: كراهية الناصرية. ليست كراهية قائمة على نقد تاريخي متزن لتجربة قابلة للأخذ والرد، بل كراهية “وجودية” لنموذج الدولة القوية ذات المشروع السيادي. لأن هذا النموذج يناقض رؤيته للعالم: الأخلاق الكونية أعلى من السيادة، والفرد الناشط أعلى من المؤسسة، والضغط المعنوي أعلى من الحسابات السياسية.
وفي ملف المساواة بين الرجل والمرأة، يرفع شعارات نظرية صارمة—ثم يقع في تناقض فادح في التطبيق. تتحول المساواة إلى “إشارة ثقافية” أكثر منها مشروعًا اجتماعيًا يمس حياة النساء في القرى أو المصانع. يُصفق لأي فعل فردي باعتباره “تحررًا” لمجرد أنه كسر تقليدًا، حتى لو لم يحمل أي مضمون تحرري حقيقي، وحتى لو كان مجرد إعادة تغليف قديم بشعار جديد، والنتيجة: خطاب مرتفع السقف وتماسٌ ضعيف مع الحياة الواقعية.
فلسطين: رومانسية بلا سياسة
وفي القضايا الكبرى مثل فلسطين، تظهر ملامحه بأوضح صورة. خطاب عاطفي، رومانسي، طفولي أحيانًا، قائم على الشعور لا التحليل. لغة مشحونة بالحنين والاشتياق والملصقات، لكنها خالية من إدراك ميزان القوى، وتعقيد الإقليم، وطبيعة الصراع.
القضية تتحول من مأساة سياسية معقدة إلى مساحة لتأكيد التفوق الأخلاقي الشخصي: “أنا أشعر أكثر… إذن أنا أفهم أكثر… إذن أنا على حق.”، ومع كل هذا، يظل الواقع خارج النص.
عداء المؤسسة… والبيئة كمنصة إدانة
هذا الفصيل يحمل عداء شبه فطري لأي مؤسسة منظمة. الجيش ليس مؤسسة وطنية لها دور سيادي في ذهنه، بل رمز يجب التشكيك فيه دائمًا. والأمن ليس ضرورة، بل “أداة قمع” بالمطلق. النتيجة ليست نقدًا لسياسات أو ممارسات محددة—وهذا حق أي مواطن—بل رفض لفكرة الدولة ككيان منظم من الأساس.
أما البيئة والمناخ، فهي ملعبه المفضل. لكنها تتحول عنده إلى منصة أخلاقية لا مجالًا علميًا أو تنمويًا. وبينما يغرق الباحثون الجادون في سؤال: كيف نوازن بين التنمية وحماية الموارد؟ كيف نفهم احتياجات المجتمعات المحلية؟ كيف نصنع حلولًا قابلة للتطبيق؟… يكتفي هذا الخطاب بترديد مصطلحات عالمية ومطالبات تناسب “ناشطًا في بروكسل” أكثر مما تناسب صيادًا في البحر الأحمر أو فلاحًا في الفيوم.
بيئة بلا اقتصاد. شعارات بلا أدوات. إدانة بلا حلول.
الخطر الحقيقي: ضمير بلا مسؤولية
هذا الفصيل لا يُصنَّف بسهولة: ليس يسارًا تقليديًا لأنه بلا مشروع اقتصادي واضح، وليس ليبراليًا لأنه يتعامل مع الدولة كمتهم دائم، وليس إسلاميًا لأنه يرفض المرجعية الدينية. لكنه يشترك مع الجميع في شيء واحد: القدرة على الاعتراض دون القدرة على تحمّل تبعات البناء.
إنه ابن الجامعات العالمية، والمنظمات العابرة للحدود، ومنصات التواصل. لغة حديثة، لكن جذور وطنية ضعيفة. لا يريد هدم الدولة صراحة، لكنه لا يرى نفسه داخلها. ولا يعلن العداء للمجتمع، لكنه يتعامل معه ككيان “متخلف” يجب تصحيحه بمعايير مستوردة.
وهنا تكمن خطورته: أنه لا يبدو خصمًا سياسيًا واضحًا تستطيع محاورته في برنامج انتخابي، بل يقدّم نفسه كضمير أخلاقي دائم الاتهام… ضمير لا يخطئ أبدًا، ببساطة لأنه لا يتحمل مسؤولية القرار.
تابع موقع المؤشر علي تطبيق نبض


















