«المؤشر» يطرح السؤال الصعب: هل كان اختيار خريج معهد العاشر من رمضان وزيرًا للإسكان قرارًا صائبًا؟
شريف الرافعي
قبل ساعات من إعلان التشكيل الوزاري المرتقب، تتقدّم أسماء إلى الواجهة وتتراجع أخرى، في مشهد يعيد طرح سؤال جوهري حول معايير الاختيار للمناصب القيادية. فالمواقع التنفيذية الكبرى لا تُدار بالأهواء أو المجاملات، وليس كل من ينجح في موقع ما قادرًا بالضرورة على النجاح في موقع أعلى، إذ تبقى الخبرة المتراكمة، والاحتكاك التدريجي، والتهيئة المسبقة لشغل المناصب العليا، من أهم أسس الاختيار الرشيد.
ومع اقتراب لحظة الإعلان عن التغييرات الوزارية، يطرح «المؤشر» سؤاله الصعب: هل كان اختيار المهندس شريف الشربيني وزيرًا للإسكان في محله، بعد مرور 18 شهرًا على توليه الحقيبة خلفًا للدكتور عاصم الجزار وزير الإسكان الأسبق؟
بداية المسؤولية الوزارية
في يوليو 2024، فاجأ التشكيل الوزاري الجميع باختيار المهندس شريف الشربيني وزيرًا للإسكان، رغم أنه لم يكن مطروحًا ضمن الأسماء المتوقعة لتولي هذه الحقيبة السيادية، وجاء الاختيار – بحسب مصادر – بناءً على «تذكية عائلية» لجهات عليا رشحته لرئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، في وقت كان الأخير يُعد قائمة تضم أسماء أخرى من قيادات وزارة الإسكان التي تدرجت في المناصب القيادية، وامتلكت خبرات متراكمة على المستويات الإدارية والتنفيذية والتخطيطية.
«الشربيني»، خريج المعهد التكنولوجي العالي بالعاشر من رمضان – قسم الهندسة المدنية (دفعة 2004) – دخل الوزارة محمّلًا بطموحات كبيرة، وانتقل مباشرة من رئاسة جهاز العاصمة الإدارية الجديدة إلى كرسي وزارة الإسكان، خلفًا لأسماء ثقيلة تركت بصمتها في تاريخ الوزارة، ومع توليه المنصب، بدأ مرحلة تغيير واسعة في الهيكل الإداري للوزارة وهيئاتها وأجهزتها التابعة، واتسمت قراراته بالجرأة والسرعة، لكن مراقبين رأوا أن هذه التغييرات أحدثت خلخلة واضحة في بنيان الإدارة، وتجاوزت حدود الاستيعاب الطبيعي لضخ قيادات جديدة في مواقع حساسة دون إعداد كافٍ.


مسار وظيفي سريع.. وقفزة أكبر من التحمل
أثار اختيار «الشربيني» فرحة كبيرة داخل أروقة المعهد التكنولوجي العالي بالعاشر من رمضان، باعتباره أول خريج منه يصل إلى منصب وزير الإسكان، في سابقة نادرة، وهو من مواليد 1982، وبدأ مسيرته العملية بجهاز مدينة بدر في إدارة المرافق، ثم التصميمات والدراسات المساحية، قبل أن يتدرج سريعًا في المناصب، من نائب رئيس جهاز بدر، إلى نائب رئيس جهاز القاهرة الجديدة، ثم رئيس جهاز الشروق، فرئيس جهاز 6 أكتوبر، وأخيرًا رئيس جهاز العاصمة الإدارية الجديدة، وهي المحطة الأخيرة قبل صعوده إلى الوزارة.
هذا المسار السريع، رغم تنوعه، طرح تساؤلات حول مدى كفايته لإدارة وزارة بحجم وتعقيد وزارة الإسكان، خاصة في ظل ملفات شديدة الحساسية والتشابك.
18 شهرًا من التغييرات والأزمات
خلال 18 شهرًا في منصبه، شهدت وزارة الإسكان تغييرات متلاحقة، وتمكن الوزير من إزاحة أسماء وقيادات كانت تُعد «ثابتة» أو «صعبة التحريك» داخل قطاعات الوزارة وهيئاتها، وتوالت القرارات التنظيمية، إلا أن كثيرًا منها – بحسب متابعين – شابه تأثير تدخلات خارجية في شؤون الوزارة، وهو ما انعكس في أزمات متكررة، أبرزها أزمة قرارات أراضي الساحل الشمالي الغربي الخاصة بمشروعات كبرى لشركات تطوير عقاري، قبل أن يتراجع الوزير عن هذه القرارات لاحقًا.
وتشير دوائر مقربة من الوزير إلى أنه كان يعاني حساسية مرتبطة بمسألة «شهادة التخرج»، وهي نقطة كانت محل مزاح بين زملائه خلال رئاسته لأجهزة المدن، وظهرت انعكاساتها في الأيام الأولى لتوليه الوزارة، حين عبّر صراحة عن انزعاجه من كثرة الحاصلين على درجات الدكتوراه داخل مكتبه والوزارة، ومع بداية تولي مهام عمله وقف أمام مكتبه قائلًا: «إيه الوزارة إللي كلها دكاترة دي.. أنا مش عايز دكاترة في الوزارة!»، في وقت كانت فيه غالبية القيادات المحيطة به من حملة الدكتوراه والخبرات الأكاديمية والفنية في مناصب مختلفة بالوزارة.
ارتباك إداري وغياب الاستقرار
أبرز ما رصده مراقبون لأداء الوزارة، هو وتيرة التغييرات السريعة والمتعاقبة دون توضيح مبرراتها، ما أدى إلى اهتزاز الأداء الوظيفي وخلق بيئة عمل غير مستقرة، أعاقت تنفيذ الخطط والمستهدفات، كما تصاعد الحديث عن تدخلات خارجية في قرارات الوزير، أو ما أُطلق عليه «تدخلات اللهو الخفي»، وهو ما زاد من تعقيد المشهد الإداري.
وعلى صعيد الملفات الجماهيرية، واجهت الوزارة انتقادات واسعة في ما يتعلق بمنظومة طرح الأراضي والوحدات السكنية، وظهور خلل واضح في عدد من المبادرات والمشروعات، مثل «بيتك في مصر»، و«بيت الوطن» للمصريين بالخارج، وحجز الوحدات أونلاين، وصولًا إلى منصة مصر العقارية، التي لم تثبت كفاءتها حتى الآن، بعد رصد المتعاملين لعدد كبير من المشكلات الفنية والتنظيمية.
شعور عام بعدم الارتياح
داخل منظومة الإسكان، ساد شعور متزايد بغياب الشفافية والوضوح في إدارة التكليفات والمهام، إلى جانب تضييق هامش الحركة أمام القيادات التنفيذية بفعل التدخلات، ما دفع عددًا من الكفاءات إلى الاعتذار عن الاستمرار، في ظل تغييرات مفاجئة والاستعانة بقيادات تفتقر إلى الخبرة اللازمة لإدارة مواقع قيادية معقدة.
ويبقى السؤال مطروحًا، مع اقتراب ساعات التشكيل الوزاري الجديد: هل كانت تجربة الـ18 شهرًا كافية للإجابة عن سؤال «المؤشر».. أم أن واقع الوزارة وحده هو من قدم الإجابة؟.
تابع موقع المؤشر علي تطبيق نبض



















