د.بهاء عمار
أخطائي ليست أنا
حقًّا، الخطأ سِمةٌ بشرية؛ لأن الفعل الإنساني يجري في الواقع، لا في عالم المُثل (الخيالي).. نحن نخطئ لأننا نعيش الواقع كما هو، لا كما ينبغي أن يكون، وعلى الرغم من إدراكنا أن جميع الناس يخطئون، فإننا غالبًا ما نقع في مشكلتين أساسيتين، الأولى: القسوة على أنفسنا؛ فنرى أخطاء الآخرين بشرية، بينما نُضخّم أخطاءنا ونعدّها «كارثية»، والثانية: النظر إلى الآخرين بنظرة مثالية زائفة، تجعلنا نتوقع من المقربين منا أداءً خاليًا من العيوب، وننسى أنهم يمتلكون الطبيعة البشرية نفسها القابلة للكسر.
ولا يكتفي الأمر بالاعتراف بأننا نخطئ؛ فالإنسان في حالة تغيّر وتطوّر مستمر، والخطأ الذي ارتكبته بالأمس كان نتيجة مستوى وعيك في ذلك الوقت، وبما أن وعيك يتغير، فأنت لم تعد الشخص نفسه الذي ارتكب ذلك الخطأ، ثم إن الخطأ أداة للتعلّم، يخبرنا بما هو صواب وما هو خطأ.
ولذلك، من المهم لاستقامة الحياة أن نمتلك القدرة على الفصل بين فعل الإنسان وماهيته وجوهره، فمن السهل أن نحكم على الآخرين من خلال أسوأ تصرفاتهم أو من خلال خطأ واحد، لكن الحقيقة أن البشر أكثر تعقيدًا من مجرد خطأ عابر. وعندما يصدر من أحدهم خطأ، حاول أن تسأل نفسك: ما الذي دفعه إلى هذا التصرف؟ هل كان تحت ضغط؟ هل يفتقر إلى مهارة التواصل؟ هل يتصرف بناءً على صدمات قديمة؟ فعندما نفهم الدوافع، يصبح من الأسهل رؤية الخطأ كعرض لمشكلة، لا كجوهر للشخصية.
فهل فعلًا أخطاؤك ليست أنت؟
الخطأ فعل، وليس هوية، وهناك فرق شاسع بين أن تقول: «لقد فشلت في المهمة»، وبين أن تقول: «أنا فاشل»، فالأولى تصف حدثًا مؤقتًا، أما الثانية فتحكم على جوهرك، وتذكّر أننا جميعًا نرتكب أخطاء لا تمثل قيمنا الحقيقية، وكما تحب أن يراك الناس من خلال أفضل نسخة منك لا من خلال أسوأ لحظاتك، حاول أن تمنح الآخرين الحق نفسه.
ولكي نحكم بدقة، لا ينبغي النظر إلى الفعل مجردًا، بل لا بد أن نسأل: هل أخطأ لأنه لم يعرف كيف يتصرف، أم لأنه تعمّد الإيذاء؟ فالسياق والموقف والظروف هي ما يمنحنا الفهم والحكم العادل.
وهل في ذلك تبرير للخطأ؟
مطلقًا، أنا لا أبرر الخطأ، ولا أسعى للبحث عن شماعة نعلّق عليها الزلات، بل أبحث عن مجهر نرى به الحقيقة كما هي: دون مبالغة في جلد الذات، ودون تمييع للمسؤولية، ودون إساءة للآخرين أو إفساد لعلاقاتنا، فالحكم الدقيق يتطلب موازنة واعية بين العدل والرحمة والإنصاف والموضوعية.
لسنا منصفين عندما نحكم على الفعل الصادر منا بحكم، وعلى الفعل نفسه إذا صدر من غيرنا بحكم مختلف، فهذا انحياز لأنفسنا نقع فيه جميعًا: فعندما نخطئ نلوم الظروف، وعندما يخطئ الآخرون نلوم شخصياتهم، أما الحكم العادل، فيتطلب تطبيق المعايير نفسها على أنفسنا وعلى الآخرين.
ولننظر إلى الأخطاء بوعي: فإن كان الخطأ نادرًا، وصاحبه اعتذر، دلّ ذلك على أنه تصرّف عابر لا يمثل الذات، وهنا يكون التجاوز والمسامحة أولى، وإن تكرر الخطأ عمدًا، أصبح نمطًا سلوكيًا يمثل جزءًا من الشخصية، وهنا يجب وضع حدود واضحة أو الابتعاد، أما إن كان الفعل ناتجًا عن جهل، فهو نقص في الوعي لا سوء نية، ويحتاج إلى توجيه أو توضيح أو نصيحة.
إن الفصل بين الشخص وخطئه لا يعني القبول بما فعله، بل يعني رفض الفعل مع احترام إنسانية الفاعل، والمطلوب منا أن نكره الخطأ، وأن نحاسب المخطئ بوعي، دون أن نلغي إنسانيته، وأن ندرك أن الحكم على الناس لا يكون من لحظة عابرة أو نقطة معزولة عن حياتهم ومسيرتهم ومواقفهم المتراكمة، فزلة واحدة لا تهدم تاريخًا، ولا موقف عابر يمحو سيرة عامرة بالقيم.
أنا لا أطلب منك أن تبرّر خطئي، ولا أن تنكره؛ كل ما أرجوه أن تراني قبله. فأخطائي ليست أنا، بل لحظات ضعف في طريق طويل، حاربها معي، ولا تجعلها سلاحًا بيننا، ولا ساحة حرب نخسر فيها بعضنا.
تابع موقع المؤشر علي تطبيق نبض



















