مروان حمدون
المحميات الحضرية.. حين تتنفس المدينة من جديد
هناك لحظات لا تُنسى عند الاقتراب من المساحات الطبيعية داخل المدن؛ لحظات يشعر فيها الإنسان أن الهواء صار أكثر خفة، وأن الضوضاء تراجعت قليلًا لصالح صوت طائر يصرّ على الغناء فوق طبقات الخرسانة. بالنسبة لي، كانت هذه اللحظات دائمًا تذكيرًا بأن الطبيعة لا تزال موجودة، تنتظر فقط مساحة — ولو صغيرة — لتتنفس داخل أكثر المدن ازدحامًا.
في سياق الاهتمام المتزايد بدور التنوع البيولوجي في مواجهة آثار تغيّر المناخ، تبرز المحميات الطبيعية — وخاصة المحميات الحضرية — كأحد أهم الأدوات التي تستحق إعادة تقييم. فهي لا تمثّل مجرد مساحة خضراء داخل مدينة، بل تُعد منظومة بيئية متكاملة قادرة على التأثير في صحة السكان، والمناخ المحلي، وجودة الحياة.
عندما يصبح التنوع البيولوجي جارًا لنا في المدينة
داخل المدن، قد يظن الكثيرون أن الطبيعة غائبة أو ضعيفة، لكن الحقيقة أن هناك «نظمًا بيئية صغيرة» لا تزال صامدة: نباتات مقاومة للجفاف، طيور مقيمة أو مهاجرة تستخدم هذه المساحات كنقاط استراحة، حشرات مُلقِّحة، وتربة حية تعمل في صمت تحت طبقة من الغبار. هذه المكونات مجتمعة تشكّل تنوعًا بيولوجيًا حضريًا له تأثير مباشر على البيئة المحيطة بالإنسان.
المحمية الحضرية تجعل هذا التنوع البيولوجي ملموسًا وقريبًا، وتحوّل العلاقة بين الإنسان والطبيعة من علاقة نظرية إلى تجربة يومية. كم من مرة شاهدتُ خلال زياراتي الميدانية طائرًا يجد في مساحة صغيرة وسط المدينة محطة أمان… تلك اللحظة وحدها كانت كافية لتؤكد أن الطبيعة لا تحتاج سوى فرصة لتذكّرنا بوجودها.
المحميات الحضرية كحلول قائمة على الطبيعة
تتزايد أهمية الحلول القائمة على الطبيعة في ظل التغيرات المناخية المتسارعة، وتأتي المحميات الحضرية باعتبارها نموذجًا عمليًا لهذه الحلول. فهي تعمل كبنية تحتية طبيعية دون الحاجة إلى تقنيات معقدة، إذ: • تخفّض درجة حرارة الهواء المحيط • تقلل من ظاهرة «الجزيرة الحرارية» داخل المدن • تُحسن جودة الهواء بامتصاص الملوثات • تساعد في تنظيم مياه الأمطار وتقليل مخاطر السيول • توفّر ملاذات للأنواع البرية داخل النسيج العمراني
هذه الوظائف البيئية تحدث بصمت، لكنها تؤثر بعمق، وتُعد خط دفاع مهمًا لمدن تواجه ارتفاعًا مستمرًا في درجات الحرارة.
كيف ينعكس ذلك على حياة السكان؟
أثر المحميات الحضرية على السكان لا يقتصر على الجانب البيئي، بل يمتد إلى الجوانب الصحية والاجتماعية والاقتصادية:
– هواء أنقى تحسّن جودة الهواء هو أول ما يلاحظه الناس — حتى إن لم يقيسوه بالأجهزة العلمية.
– صحة نفسية أفضل مجرد وجود مساحة طبيعية قريبة يمنح السكان متنفسًا نفسيًا ويخفف من ضغوط الحياة اليومية.
– فرص تعليمية وتوعوية المحميات الحضرية تصبح مختبرًا مفتوحًا للمدارس والشباب، وتتيح أنشطة مثل مراقبة الطيور، والرسم، والتصوير البيئي.
– دعم الاقتصاد المحلي ظهور أنشطة بسيطة مثل الجولات الإرشادية، والفعاليات البيئية، والمبادرات الشبابية يخلق فرصًا صغيرة لكنها مؤثرة، ويعزز ارتباط السكان ببيئتهم.
بالنسبة لي، لطالما آمنت أن المدينة ليست خصمًا للطبيعة. المحمية الحضرية تعيد التوازن بين الطرفين، وتذكّرنا بأن التخطيط العمراني يمكن أن يصالح الطبيعة بدلًا من أن ينفصل عنها.
بين المناخ والمدينة… علاقة حساسة تكشفها المحميات الحضرية
المحميات الواقعة داخل المدن تمنحنا «خط إنذار مبكر» للتغيرات المناخية. فغياب أنواع كانت موجودة، أو ظهور سلوكيات جديدة لدى الطيور أو النباتات، يعكس تغيرات في الحرارة أو المياه أو جودة الهواء.
هذه المساحات تساعد الناس على فهم التغير المناخي بطريقة عملية وبسيطة: عندما يرى المواطن تأثير الحرارة على الأشجار، أو نقص المياه على الطيور، تصبح القضية ملموسة، وليست مجرد عنوان خبري.
الإعلام البيئي… كيف تصل القصة إلى الناس؟
الأعمال الإعلامية التي تتناول المحميات والتنوع البيولوجي تلعب دورًا جوهريًا في رفع الوعي. القصة عندما تُروى من داخل المدينة — ومن مكان قريب من حياة الناس — تكون أكثر تأثيرًا من أي خطاب بعيد.
من تجربتي، كلما كانت القصة البيئية مرتبطة بمكان يعرفه الناس، كانت قدرتها على التأثير أكبر. والمحمية الحضرية تقدم فرصة ذهبية لصناعة هذا النوع من القصص: قصص صادقة، بسيطة، وقريبة من الناس.
خاتمة… المدينة التي تُحيي الطبيعة، والطبيعة التي تُحيي المدينة
المحميات الحضرية قد تبدو مساحات صغيرة على الخريطة، لكنها تمثل رئة حقيقية للمدينة، وجسرًا ضروريًا بين الإنسان والطبيعة.
وفي زمن يزداد فيه الحديث عن التغير المناخي، تصبح هذه المساحات أكثر من مجرد متنفس؛ تصبح خط دفاع، ومختبر معرفة، ومساحة حياة.
وإذا كان التنوع البيولوجي هو ثروة مصر الطبيعية، فإن دمجه داخل المدن — عبر محميات حضرية فعّالة وقريبة من الناس — هو خطوة ضرورية لحماية هذه الثروة، وتعزيز قدرة المجتمع على مواجهة التحديات المناخية المتصاعدة.
تابع موقع المؤشر علي تطبيق نبض
















