د.بهاء عمار
إذا فسدت اللغة.. فسدت الحقيقة!
اللغة ليست مجرد ألفاظ، بل هي الإطار الذي نرى من خلاله الواقع، وحين نغيّر اللفظ نغيّر الإحساس، وحين نُلطّف الكلمة نُهوّن الجريمة، وحين نُزوّر الوصف نُضلّل الوعي.
وفي ضوء الأحداث الجارية، والاختطاف الذي تعرّض له الرئيس الفنزويلي، قد يُعذر عامة الناس إذا التبس عليهم المصطلح: هل هو أسر أم اعتقال؟، لكن لا يُعذر الساسة ولا الإعلاميون حين يختارون التضليل اللغوي، فيصفونه بـ«المعتقل»، فالتمييز هنا معلوم بداهة، وهم يدركون الفرق بين الأسير والمعتقل إدراكًا مهنيًا وقانونيًا؛ بل تُدرَّس هذه الفروق في السياسة والقانون والإعلام. وغالبًا، وللأسف، لا يكون الخطأ لغويًا، بل اختياريًا مقصودًا.
إنه اختيار واعٍ للكلمة الأقل كلفة سياسيًا، لا للكلمة الأدق حقيقةً، فاللغة في أيديهم أداة سلطة؛ الإعلامي لا يصف الواقع فحسب، بل يصوغ الوعي، والسياسي لا يخطئ المصطلح، بل يحسب أثره. فالخلط المتعمد يفرغ الجريمة من معناها: حين يُسمّى الأسير معتقلًا، يتحول الاحتلال إلى «إدارة»، والاستعمار إلى «نزاع»، والعدوان إلى «إجراء»، والجريمة إلى خبر عابر.
فعندما نقول «معتقل» نُوحي ضمنيًا بأن الأمر شأن داخلي أو إجراء قانوني، حتى وإن شابه الظلم. لكن في الحالة التي نتحدث عنها، فإن الوصف الأدق هو أسير؛ لأن الرئيس محتجز لدى قوة معادية/احتلال، خارج إطار السيادة الوطنية، ويُعامل غالبًا بمنطق القوة لا بمنطق القانون. أما لفظ «المعتقل» فينطبق على من يُحتجز داخل بلده، وتحت سلطة يُفترض أنها وطنية، حتى لو كان الاحتجاز ظالمًا، الأسير يكون بيد عدو، والاحتجاز هنا فعل عدواني قبل أن يكون إجراءً.. فلماذا يختارون عدم التمييز؟.
الجواب الحقيقي والمؤلم: أن بعض وسائل الإعلام، خاصة حين تنقل الخبر عن إعلام الدولة المعتدية، تستبدل «أسير» بـ«معتقل» في محاولة لتخفيف الجريمة لغويًا، وطمس الحقيقة سياسيًا. فالتسمية الصحيحة تُلزم بموقف، أما التسمية الخادعة فتمنح مهربًا أخلاقيًا.
والحقيقة التي يجب أن نعيها جميعًا: أن أول طريق إنصاف المظلوم هو تسمية ظلمه باسمه الحقيقي، ولذلك كانت اللغة دائمًا أول ساحة يُخاض فيها الصراع، ومن يُفرّط فيها يُفرّط في الحقيقة.
تابع موقع المؤشر علي تطبيق نبض


















