أحدث الأخبار

وزارة الإسكان,نادي الزمالك,المؤشر,سحب أرض نادي الزمالك,قضية أرض الزمالك,حقيقة أرض نادي الزمالك,عودة أرض نادي الزمالك

رئيس التحرير
عبد الحكم عبد ربه
«دكر الكلام».. أرض الزمالك لن تعود

«دكر الكلام».. أرض الزمالك لن تعود

لا يمكن لأي شخص ـ سواء كان أحمر الانتماء أو أبيض الهوى ـ أن ينكر أن نادي الزمالك كيان رياضي كبير وعريق، له اسمه وتاريخه؛ لكنّ إدارته عانت من خللٍ جليٍّ وواضح على مدار السنوات الماضية، وهو تخبّطٌ إداري أوصل قضية أرض الزمالك بمدينة حدائق أكتوبر إلى هذه النتيجة الحتمية: «سحب الأرض وضياعها دون عودة».

(1) البداية والنهاية

حين خُصِّصت أرض الزمالك في مدينة حدائق أكتوبر، ظنّت الجماهير أن صفحة جديدة من تاريخ النادي تُكتب، وأن «الأبيض» سيخرج من ضيق المقر العتيق في ميت عقبة إلى رحابة مدينة جديدة تليق بجماهيره الغفيرة.. كان الحلم أن تقوم هناك مدينة رياضية متكاملة تحمل اسم الزمالك، وتصبح منارة للرياضة والفن والثقافة، امتدادًا لقيمة الكيان في قلوب جماهيره؛ لكن ما كان يُبنى في الخيال انهار على أرض الواقع بفعل الفوضى الإدارية وسوء التخطيط والعجز عن إدارة ملفٍّ بهذه الضخامة،  ولم ينجح الزمالك في الوفاء بالتزاماته تجاه الأرض، ولم تُرسَم خريطة طريق جادّة، لتتحوّل المسألة شيئًا فشيئًا إلى أزمة اكتملت أركانها بضياع الأرض.

(2) مجالس الأزمة

والحقيقة أن الأزمة لم تنفجر بين ليلة وضحاها؛ بل هي نتيجة سنوات من التناحر بين مجالس متعاقبة، كلٌّ منها دخل في صراع على الشرعية، فأُهدِر الوقت وضاعت الفرص، فلا دراسات جدوى واضحة، ولا خطط تمويل مُحكَمة، ولا رؤية بعيدة المدى. بدا المشروع في صورته الأولية ضخمًا: 27 ملعبًا، منشآت رياضية وسياحية، واستثمار طويل المدى، وهكذا ظلّت الأرض تنتظر مشروعًا لا يأتي، حتى تدخلت الدولة لإعادة النظر في الموقف، وكان القرار بسحبها بعد انتهاء المدة المحددة دون استغلال.

(3) حقائق 

وأتحدث هنا عن حقائق أعرفها بحكم متابعتي لملفات الإسكان، ويتوهّم البعض أن الحل ما زال في الإمكان بعد استرداد الأرض بالقوة أمام مرأى ومسمع الجميع.. وللعودة إلى مسيرة الملف منذ بدايته: خُصِّصت الأرض للنادي عام 2003، وحصل الزمالك على كل ما يمكن أن يُمنح من فرص ومهل وتيسيرات، لكنه لم يستطع أن يثبت جديته أو يترجم الحلم إلى واقع.

ورغم هذا الفشل الإداري الممتد، جاءت في عام 2021 لفتة إنسانية كبيرة من رئيس الجمهورية دعمًا للرياضة ولأعضاء النادي، إذ وُجِّهت وزارة الإسكان إلى منح الزمالك مهلة استثنائية أخيرة لمدة عامين لإنهاء كل الإنشاءات. لم يكن ذلك مجرد دعم إداري، بل كان إنقاذًا للحلم من الاندثار، مع تعهّد صريح بأن الأرض ستؤول إلى الدولة إن لم يلتزم النادي.

(4) فرص مهدرة

لكن مهلة العامين مضت سريعًا، وفي نوفمبر 2023 لم تتجاوز نسبة التنفيذ 1% فقط. وبرغم أن الزمالك أرسل لاحقًا ـ في أبريل 2024 ـ خطابًا يتعهد فيه بجدول زمني مكثف ينتهي في يوليو 2025، فإن أرض الواقع لم تشهد أي تغيير يُذكَر، وظلت الصحراء كما هي: بلا إنجاز، بلا رؤية، بلا مستقبل. واستمر الوضع حتى جاءت لحظة الحسم في يونيو 2025، حين خاطبت الدولة النادي بأنها بصدد اتخاذ الإجراءات القانونية لسحب الأرض. وهو ما حدث بالفعل بقرار رسمي صدر في 11 يونيو، ونُفِّذ في 19 أغسطس 2025، ليُسدل الستار على حلم لم يُولَد، ومشروع ظلّ حبيس الأوراق والخطابات.

(5) مول العرب وأرض الناديين

ولك عزيزي القارئ أن تعلم أنها ليست المرة الأولى التي تُسحَب فيها أرض من نادي الزمالك؛ فقد كانت أرض «مول العرب» مخصّصة لناديَي الزمالك والأهلي، وكانت المنطقة تُسمّى «أرض النوادي». وسُحبت الأرض من الناديين، وعُوِّض «الأهلي» بأرض في «زايد» أقام عليها فرع النادي الجديد، ومُنح الزمالك 127 فدانًا بمدينة حدائق أكتوبر، والتي ظلّت 22 عامًا بلا استثمار.

(6) أرض ببلاش

حصل الزمالك على أرض حدائق أكتوبر بسعر 50 جنيهًا للمتر عام 2003، ودفع كامل الثمن ـ 27 مليون جنيه ـ لأرض تبلغ قيمتها السوقية الحالية 2 مليار و700 مليون جنيه بتسعير عام 2025، قبل صدور تسعير 2026 الذي سترتفع فيه أسعار أراضي وزارة الإسكان إلى مستويات خيالية.

وخلال فترة المهلة، طلب نادي الزمالك زيادة النسبة البنائية للوحدات الإدارية (بنوك ومطاعم وغيرها) مع دفع رسوم نظير تعديل الاشتراطات البنائية: رفع نسبة البناء من 5% إلى 10%، والسماح بإقامة ثلاثة طوابق بدلًا من طابق أرضي فقط. وقدرت هذه العلاوة بـ800 مليون جنيه دفعها النادي لوزارة الإسكان بعد بيع تلك الوحدات الإدارية.

ولم يكن قرار سحب الأرض بيد وزير الإسكان أو رئيس الوزراء، ومع التأخر في التنفيذ صدرت تعليمات عليا بتطبيق القانون واسترداد الأرض، وتعرّض مسؤولون كبار للتوبيخ بسبب التأخر في التنفيذ، فلم يجد مسؤولو الإسكان بدًّا من الإسراع في تنفيذ قرار السحب.

(7) مجرد تهدئة

وبعد الضجة الإعلامية والجدل الفيسبوكي المصاحبين للتنفيذ الفعلي لقرار السحب، لم يكن أمام الجهات المسؤولة إلا تهدئة الثائرين برفع ملف أرض الزمالك إلى رئاسة الوزراء ليدخل مرحلة «التجميد». وحاول وزير الإسكان تقديم بدائل بتصريحات مفادها إمكانية حصول النادي على أرض جديدة في مدينة القاهرة الجديدة. لكن النادي لن يقدر على ثمن أرض جديدة بعد أن ضاعت منه أرض حصل عليها بـ50 جنيهًا للمتر، في وقت لا تمنح فيه وزارة الإسكان أي أراضٍ دون مقابل، خاصة في ظل التنافس الشديد بين المستثمرين على أراضي الوزارة في المدن الجديدة. والحقيقة أن الوزارة لم تتلقَّ أي عروض لشراء أرض نادي الزمالك، ولم يكن في نيتها عند سحب الأرض إلا تنفيذ القانون المدعوم بتوجيهات عليا.

(8) الصغير يكبر والكبير يتقزم

ومن المؤسف أنه في الوقت الذي وقف فيه نادي الزمالك عاجزًا أمام أرض حدائق أكتوبر، متخبطًا بين قرارات وخطط لم ترَ النور، كان هناك نادٍ آخر يُدعى «وادي دجلة» يكتب قصة نجاح على أرض الواقع في نفس الفترة الزمنية التي حصل فيها الزمالك على أرض حدائق أكتوبر. فمنذ تأسيس نادي وادي دجلة عام 2002، لم يكتفِ بالحلم، بل خطّ خطاه بثبات حتى صار يمتلك اليوم 13 فرعًا تمتد من القاهرة الكبرى إلى الإسكندرية والوجهين البحري والقبلي، ليصبح نموذجًا لما يمكن أن تصنعه الإدارة الرشيدة والرؤية الواضحة.