أحدث الأخبار

في الولايات المتحدة الأمريكية عندما كان الدكتور طارق شوقي أستاذا في قسم الميكانيكا النظرية والتطبيقية بجامعة إ

وزارة التعليم,المؤشر,مصر,التربية والتعليم,التعليم,وزير التعليم,الثانوية العامة,أمريكا,طارق شوقي,الانترنت,نظام التعليم,نظام التعليم الجديد

رئيس التحرير
عبد الحكم عبد ربه

طارق شوقي.. وزير التعليم المفتري والمفترى عليه

الدكتور طارق شوقي وزير التربية والتعليم والتعليم الفني  المؤشر
الدكتور طارق شوقي وزير التربية والتعليم والتعليم الفني

في الولايات المتحدة الأمريكية، عندما كان الدكتور طارق شوقي، أستاذًا في قسم الميكانيكا النظرية والتطبيقية بجامعة إلينوي، وُلدت أمام عينيه، محاولة لاختراع الإنترنت في العالم، عام 1994.



ربما لا تصدق.. دعنا نروي هذه القصة الشيقة إذن: في جامعة إلينوي، كان هناك طالب دكتوراه اسمه مارك أندرسن، بدأ محاولات لابتكار طريقة أسرع للتواصل، واستطاع التوصل إلى طرق بدائية آنذاك فتحت الطريق أمام عالم الإنترنت الآن.

ذات يوم، جاء مارك إلى الأستاذ بالجامعة طارق شوقي، يشرح له اختراعه، بل طلب منه مساعدته في تجربة لاختبار نجاح الفكرة: وقف مارك عند نافذة في مبنى الجامعة بحيث يراه "شوقي" الذي كان يقف مستعدا أمام الجهاز، وعندما أشار له الطالب ملوحا، ضغط أستاذ الميكانيكا على زر فتلقى نصا كان مارك أرسله إليه من غرفة مجاورة.

 

بعكس ما تعتقد بحكم ما نعيشه الآن، كان الأمر مبهرًا لشوقي الذي، أعجبته الفكرة، وبدأ في العام التالي مباشرة، 1995، استخدام الإنترنت في تدريس محاضراته بالجامعة، برغم ما كان يمثل ذلك آنذاك من مجهود مضنًّ.

ذلك نموذج واحد من عشرات التجارب التي عاشها طارق شوقي في الخارج، مع سيرة مهنية أكاديمية رفيعة المستوى، لكن الأمر يكون مختلفا عندما يترك الأستاذ الكفء قاعة المحاضرات وينهض الخبير من على كرسي الاستشارات، وينزل بنفسه على أرض الواقع ليطبق أفكاره عليها.. ربما هي تلك مشكلة الدكتور طارق شوقي مع وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني.

وُلد طارق شوقي فى 12 يونيو 1957، وبمجموعه العالي في الثانوية العامة، التحق بكلية الهندسة وحصل منها على بكالوريوس الهندسة الميكانيكية من جامعة القاهرة عام 1979، “تعليم تقليدي” كما يصفه، قبل أن يخرج ليبدأ رحلة نجاح لامعة في الخارج بـ”مواصفات كلاسيكية” لأستاذ الجامعة بحسب تعبيره.

في العام 1983 حصل "شوقي" على درجة الماجستير في الهندسة من جامعة براون الأمريكية، ثم درجة الماجستير فى الرياضيات التطبيقية عام 1985، وفي نفس العام نال الدكتوراه.

 

 

عمل طارق شوقي باحثًا في قسم الميكانيكا بمعهد ماساشوستش للتكنولوجيا بين عامي 1985 و1986، ثم رحلته في جامعة إلينوي، أستاذا للميكانيكا النظرية والتطبيقية منذ عام 1986 إلى 1998، وبينهما قضى عام 1996 إجازة في مصر، عندما أراد لأبنائه أن يتعرفوا على بلدهم بصورة أفضل.

في تلك السنة، خاض "شوقي" تجربة ربما تكون الأولى من نوعها آنذاك، عندما أجبرته ارتباطاته أن يبقى في مصر مدة أطول، فقرر التدريس لطلابه في إلينوي عبر الإنترنت "أون لاين"، ورغم صعوبة التجربة بسبب حداثة التكنولوجيا وقتها، فإن الأمر نجح وحصل الطلاب على درجات عالية كما لو أنه معهم في قاعة المحاضرات.

في السيرة الذاتية لطارق شوقي، يستمر مشوار من التفوق والنجاح لأستاذ الهندسة الميكانيكية، إذ حصل على الجائزة الرئاسية الأمريكية للتفوق البحثى عام 1989، وفي 1999 أصبح مسئولا عن مشروعات تطبيقات تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات بمنظمة اليونسكو، وبعد ذلك أصبح مديرا لمكتب المنظمة الإقليمي للعلوم والتكنولوجيا في الوطن العربي حتى 2012.

في تجربة اليونسكو، أمكن لطارق شوقي أن يبني شراكات عديدة للمنظمة مع شركات كبرى في مجال الاتصالات والمعلومات، إلى جانب أنه قاد مشروعا عالميا لتدريب المعلمين على استخدام تقينات حديثة في التدريس، قبل أن يقرر العودة إلى المجال الأكاديمي مرة أخرى ليصبح عام 2012 عميدا لكلية العلوم والهندسة بالجامعة الأمريكية في القاهرة.

 

في مايو 2015، بدأت العلاقة الفعلية لطارق شوقي بنظام التعليم في مصر، ولو من البوابة الاستشارية، عندما تولى رئاسة المجلس التخصصي للتعليم والبحث العلمي، وأصبح مستشارا لرئيس الجمهورية.

الموقع الاستشاري لـ"شوقي" أمكنه من طرح رؤاه على رأس الدولة مباشرة، ومنحه القدرة على "التفكير الهادئ" دون الدخول في تفاصيل التنفيذ والمباشرة والمتابعة التي تتولاها الوزارة.

خلال تلك الفترة وضع "شوقي" مقترحاته أمام الرئيس، وكانت رؤيته مبنية على البدء من وضع نظيف تماما، بمعنى أنه لا يرى أي إمكانية نجاح لتطوير النظام التعليمي القادم، وإنما الأمل في وضع نظام تعليمي جديد يُطبق على أكثر من مستوى مع إلغاء القديم تدريجيا.

 

أسلوب "العمل في جميع الاتجاهات" هو محور عمل طارق شوقي في نظامه الجديد للتعليم، إذ يرى أنه يجب المشي في أكثر من مسار معا، وبالتالي فإنه لا بد من تدريب المعلمين بالتزامن مع إدخال التكنولوجيا، مع تعديل المناهج وتحديث طريقة عرضها.

في قلب الرؤية الجديدة لوزير التعليم، تبرز شهادة الثانوية العامة كهاجس حقيقي يطارد الجميع، الحكومة والأهالي والطلاب، لكن "شوقي" يرى أن الوضع القائم هو ما كرّس هذا.

فكرة "شوقي" هي أن أزمة الثانوية العامة قائمة على فكرة "امتحان قومي موحد"، الأمر الذي خلق جوا من الفساد ومافيا الدورس الخصوصية والتعامل مع النجاح على أنه "قيمة اقتصادية".

كل هذا يرفضه خبير الاتصالات وأستاذ الميكانيكا النظرية، الذي يرى أن تقييم التحاق الطالب بكلية ما يجب أن يُبنى على معايير متراكمة خلال فترة تعليمية كاملة، الأمر الذي كان يعني في نظره إلغاء نظام الثانوية بشكله الحالي، وهي فكرة بدا أنها راودته وكان مصمما على تنفيذها، قبل أن يعدل ويوفق بين الواقع والتصورات بعد ذلك.

 

 في فبراير 2017، وعلى طريقة "انزل الساحة بنفسك"، ترك الدكتور طارق شوقي منصبه الاستشاري حيث "رفاهية التفكير بهدوء"، في خطوة ربما تكون الأصعب في رحلة الرجل، لاختبار أفكاره على أرض الواقع، وبنفسه دون أن يكون هو عقل المنظومة فقط، عندما قبل أن يكون على رأس وزارة مستقبل أجيال مصر، وبين رؤية أنه لا يصلح لشغل المنصب الوزاري وبين أنه يمتلك فكرًا يريد تطبيقه لكن البيئة غير مؤاتية؛ تلقى الوزير المئات من سهام الانتقادات، فبكاء طالب أمام لجنة بعد انقطاع الإنترنت في امتحان التابلت أو شكوى طالبة من صعوبة المنهج ولخبطة النظام؛ كفيلان بأن يقلبا الرأي العام على رأس الوزير.

تحدًّ كبير لطارق شوقي يعيشه منذ 4 سنوات، يكاد يكون لم يهنأ بالراحة أو "فترة جني الثمار" المعتادة، دائما في نقاشات ومداخلات وجلسات برلمانية ولقاءات تلفزيونية، و”بوستات” متتالية على حساباته بمواقع التواصل الاجتماعي.

يحمل الأمر مفارقات بعضها طريف لكنه ملهم بشكل ما، مثل أن تتصور كيف أن أستاذ الميكانيكا النظرية يدخل في سجالات جدلية مضنية مع أولياء الأمور والأمهات لشرح تفاصيل دقيقة في العملية التعليمية، وكيف يرتبط اسمه بـ"جروب الماميز" الذي أصبح فيما بعد أيضا عنوان برنامج تلفزيوني على قناة الوزارة يطل منه "شوقي" كل فترة لشرح النظام التعليمي والدفاع عن أفكاره.

يواجه “شوقي” طابوا من المعترضين على أفكاره بالفعل، يضم هذا الطابور أولياء أمور ومدرسين وطلبة، وشخصيات عاملة كذلك منها من من يقول إن الرجل خبير تكنولجيا تعليم متميز، لكنه ليس خبيرا تربويا بالأساس، ولا يصح أن يتولى الوزارة.

 

لكن وجه “الافتراء” الذي يحسبه الكثيرون على الوزير، أنه لا يتبع أسلوب التمهيد لما يريد أن يطبقه، بل يريد كل شيء دفعة واحدة وهذا صعب، ويبرز هنا انتقاد بأنه يحاول نقل أجيال من الطلاب والمدرسين الذين ألفوا الوضع الحالي بمدارسه وبنيته التحتية ودروسه الخصوصية مرة واحدة، وهي خطوة قد تؤدي إلى الفشل حتى وإن كانت صحيحة، بالإضافة إلى أن الصورة بالنسبة لأولياء الأمور لا تبدو واضحة ومبهمة بسبب هذه النقلة المفاجئة.

في المقابل، يتحمس الكثيرون للرجل، بخبرته ومشوعه الطموح، بل إنك ربما تجد من يدافع عن الرجل بشكل حاد، كأن يقول أحدهم: "هذا الرجل الذي كان يدرس لعلماء حصلوا على جوائز نوبل في جامعة إلينوي يضطر مرغما إلى توضيح أفكاره لولي أمر قد لا يفك الخط حتى!".

ما بين هذا وذاك، وهو الأمر المطمئن، أن طارق شوقي يعرف ما يفعله، قد لا يتناسب هذا مع الواقع، لكن المساحة الزمنية المتاحة لها، والثقة التي يتمتع بها من القيادة السياسية تؤهله لأن يثبت صحة رؤيته، لكنه رجل وإن بدا للبعض "خبيرا أجنبيا” لا يفهم الواقع هنا، فإن متعته، التي بدأت منذ أن تلك اللحظة الفريدة عندما كان شاهدا على اختراع الإنترنت عام 1994، تكمن في الاستمتاع بالإثارة التي تمنحها لنا التكنولوجيا لحل مشاكل الحياة، وتجربة طرق أفضل للتعلم والترقي، ربما هذا ما يدفعه لاستكمال مشروعه، لتعيش الأجيال التالية واقعا أفضل.