أحدث الأخبار

كشف الأستاذ الدكتور أحمد جمعة عبد الغني حسن أستاذ الاقتصاد ومستشار رئيس الجامعة للسياسات والشئون الاقتصادية وم

المؤشر,الحكومة المصرية,منتدي مصر,رؤية الدولة,مخرجات منتدى مصر,فاعليات منتدى مصر

رئيس التحرير
عبد الحكم عبد ربه

الدكتور أحمد جمعة: منتدى مصر فرصة لمعرفة ما تحقق ومتطلبات المرحلة المقبلة من سياسات

المؤشر

كشف الأستاذ الدكتور أحمد جمعة عبد الغني حسن أستاذ الاقتصاد ومستشار رئيس الجامعة للسياسات والشئون الاقتصادية ومدير برامج كلية التجارة جامعة الزقازيق الأهلية، عن رؤيته حول منتدى مصر 2026 والاقتصاد الوطني من استكمال الإصلاح إلى بناء نموذج أكثر إنتاجية واستدامة.

قال الدكتور أحمد جمعة: إن «منتدى مصر 2026» يمثل مساحة وطنية للحوار حول واقع الدولة المصرية وتحدياتها وأولوياتها المستقبلية، وفرصة لفتح نقاش موسع حول ما تحقق في مختلف مجالات التنمية وما تتطلبه المرحلة المقبلة من سياسات وإجراءات وبرامج تنفيذية. وتنبع أهمية المنتدى من طبيعة القضايا التي يطرحها ومن سعيه إلى توسيع دائرة المشاركة في مناقشة الشأن العام وإتاحة المجال أمام الخبراء والمتخصصين وممثلي القطاعات الإنتاجية والمجتمع ومختلف الفئات للتعبير عن رؤاهم وتطلعاتهم.

وأضاف: أن المنتدى يأتي في توقيت تزداد فيه أهمية الحوار الاقتصادي القائم على المعلومات والبيانات والتحليل الموضوعي. فالاقتصاد المصري يتعامل مع مجموعة متداخلة من التحديات المرتبطة بزيادة الإنتاج والتصدير وجذب الاستثمار وتعزيز دور القطاع الخاص وإدارة الدين العام وتوفير موارد مستدامة من النقد الأجنبي وتأمين احتياجات الطاقة، بالتوازي مع ضرورة تحسين مستويات المعيشة وتوسيع فرص العمل والحفاظ على قدرة الفئات المختلفة على مواجهة الضغوط الاقتصادية.

وتابع: وفي هذا السياق تكتسب فكرة المنتدى قيمة خاصة؛ لأنها تتيح تناول القضايا الاقتصادية باعتبارها منظومة مترابطة لا مجموعة من الملفات المنفصلة. فالاستثمار يرتبط بالإنتاج والتشغيل والتصدير، والطاقة تؤثر في تكلفة الإنتاج والتنافسية، وإدارة الدين ترتبط بالاستقرار المالي والحيز المتاح للإنفاق التنموي، بينما تتوقف قدرة المواطن على الاستفادة من النمو على تطور الأسعار والأجور الحقيقية وجودة الخدمات وفرص العمل.

وأضاف: أهمية المنتدى لا تقتصر على عرض ما تحقق أو استعراض التوجهات الحكومية، وإنما تمتد إلى اختبار مدى كفاءة السياسات في معالجة التحديات القائمة، وتحديد الأولويات التي تستحق التركيز خلال المرحلة المقبلة، وبناء فهم مشترك للعلاقة بين الاستقرار الاقتصادي والنمو الإنتاجي والتنمية الاجتماعية.

أولا: فلسفة المنتدى وأهمية الانتقال من عرض الإنجازات إلى تقييم الأثر

وعن فلسفة المنتدى أشار الدكتور أحمد جمعة: تقوم الفكرة الأساسية للمنتدى على فتح مساحة للحوار حول القضايا التي تشغل المجتمع المصري، وإتاحة الفرصة أمام المواطنين والخبراء والمسؤولين وممثلي القطاعات المختلفة لطرح الأسئلة ومناقشة البدائل وتقييم السياسات وتحديد الأولويات. وتكتسب هذه الفلسفة أهمية متزايدة في ظل تعقد القضايا الاقتصادية وتعدد العوامل المؤثرة فيها وتشابك آثارها المباشرة وغير المباشرة على حياة المواطنين.

وأضاف: التقييم الاقتصادي لأي سياسة لا ينبغي أن يتوقف عند حجم الإنفاق الذي خصص لها أو عدد المشروعات التي جرى تنفيذها أو معدلات النمو التي تحققت خلال فترة معينة. بل يتعين أن يمتد إلى قياس العائد الاقتصادي والاجتماعي الناتج عنها، ومدى إسهامها في زيادة الإنتاجية وخلق فرص العمل وتحسين القدرة التنافسية وتطوير الخدمات ورفع مستويات الدخل الحقيقي.

وقد تنجح الدولة في تنفيذ مشروعات كبرى وتطوير البنية الأساسية وتوسيع قدراتها الإنتاجية، لكن تحويل هذه الاستثمارات إلى نمو مستدام يتطلب الاستخدام الكفء للأصول والموارد وتعزيز قدرة القطاع الخاص على توظيفها في أنشطة إنتاجية وتصديرية تحقق قيمة مضافة محلية. كما أن ارتفاع معدلات النمو لا يعني بالضرورة تحسن مستويات المعيشة بالمقدار نفسه إذا لم تنعكس نتائجه على التشغيل والأجور والقوة الشرائية وتكافؤ الفرص.

وتابع: ومن هنا تظهر أهمية الحوار الذي يتجاوز السؤال عما أنجزته السياسات إلى السؤال عن النتائج التي حققتها والتحديات التي ما زالت قائمة وما يمكن تطويره لتحقيق عائد أكبر من الموارد المتاحة، وتبرز كذلك أهمية الشفافية في تناول القضايا الاقتصادية التي تحظى باهتمام الرأي العام، وعلى رأسها الدين العام وموارد النقد الأجنبي وتكلفة الطاقة والأسعار وفرص العمل. فإتاحة المعلومات وتفسير المؤشرات وبيان مصادر التحسن ومواطن الضغوط تساعد على بناء نقاش عام أكثر موضوعية، وتحد من اختزال القضايا المعقدة في أحكام عامة لا تفسر أسبابها أو بدائل التعامل معها.

ثانيا: المحور الاقتصادي في المنتدى بوصفه منظومة مترابطة

يخصص اليوم الرابع من المنتدى الموافق 22 أكتوبر 2026 للمحور الاقتصادي، ويتناول أربع قضايا رئيسية هي مسيرة الطاقة المصرية وآفاق المستقبل، والاستثمار المنتج والصناعة التنافسية وفرص العمل المستدامة، وموارد النقد وإدارة الدين، وملامح البرنامج الاقتصادي المصري حتى عام 2030.

وتعكس هذه الموضوعات إدراكا لأهمية الربط بين متطلبات الاستقرار الاقتصادي ومصادر النمو المستقبلي. فاستدامة الاقتصاد لا تتحقق بمجرد السيطرة على الاختلالات المالية والنقدية، وإنما تتطلب كذلك توسيع القاعدة الإنتاجية وزيادة الصادرات وتعزيز الاستثمار وتحسين إنتاجية العمل ورأس المال.

ويمكن النظر إلى الجلسات الأربع باعتبارها حلقات متكاملة في مسار اقتصادي واحد. فالطاقة توفر أحد المقومات الأساسية للإنتاج، والاستثمار والصناعة يحولان الموارد إلى سلع وخدمات وفرص عمل، بينما تتيح الإدارة الرشيدة للدين وموارد النقد الأجنبي مساحة أكبر للحركة الاقتصادية وتدعم الاستقرار المالي والخارجي. ويأتي البرنامج الاقتصادي الوطني ليحدد كيفية ترتيب الأولويات وتنسيق السياسات وتوزيع المسؤوليات ومتابعة التنفيذ على مدى زمني واضح.

وأضاف: من المهم أن ينعكس هذا الترابط على مخرجات المناقشات؛ بحيث لا تتناول كل جلسة ملفها بمعزل عن الملفات الأخرى، وإنما تبرز علاقات التأثير المتبادل بينها، وتحدد السياسات التي يمكن أن تحقق مكاسب مشتركة في أكثر من مجال.

ثالثا: الاستثمار المنتج والصناعة التنافسية وفرص العمل المستدامة

تمثل قضية الاستثمار والصناعة أحد أهم محاور النقاش الاقتصادي؛ لأن قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو مستدام ترتبط بقدرته على توجيه الموارد إلى أنشطة منتجة ترفع القيمة المضافة وتوسع الصادرات وتوفر فرص عمل مستقرة.

ولا تكمن المسألة الأساسية في حجم الاستثمارات وحده، بل في نوعية هذه الاستثمارات ومدى إسهامها في تطوير الهيكل الإنتاجي للاقتصاد. فالاستثمار الأكثر أهمية من الناحية التنموية هو الذي يضيف طاقات إنتاجية جديدة أو يرفع كفاءة الطاقات القائمة أو ينقل التكنولوجيا أو يطور المهارات أو يوسع النفاذ إلى الأسواق الخارجية.

ومن هذا المنطلق فإن تحسين بيئة الاستثمار ينبغي أن يرتبط بتقليل الوقت والتكلفة اللازمين لبدء النشاط الاقتصادي وتوسيعه، ووضوح القواعد المنظمة للسوق، وتيسير الحصول على التمويل، وتطوير الخدمات اللوجستية، وتحسين كفاءة الإجراءات الحكومية، وتعزيز المنافسة وتكافؤ الفرص بين المستثمرين.

كما يتطلب تطوير الصناعة بناء علاقة أكثر تكاملا بين الاستثمارات والبنية الأساسية من ناحية وبين احتياجات المصانع والأسواق من ناحية أخرى. فوجود مناطق صناعية ومرافق متطورة يمثل شرطا مهما، لكنه لا يكفي وحده لضمان التوسع الصناعي ما لم يصاحبه تمويل مناسب وتكنولوجيا حديثة وعمالة ماهرة وموردون محليون قادرون على الوفاء باحتياجات الإنتاج من حيث الجودة والتكلفة والوقت.

وتبرز في هذا السياق أهمية المشروعات المتوسطة والصغيرة؛ لما يمكن أن تؤديه من دور في تعميق المكون المحلي وتوسيع قاعدة الموردين وزيادة مرونة سلاسل الإمداد وخلق فرص العمل. غير أن تعظيم هذا الدور يتطلب تجاوز الدعم المؤقت إلى معالجة القيود الهيكلية التي تواجه هذه المشروعات، مثل صعوبة النفاذ إلى التمويل والأسواق والتكنولوجيا والمعلومات والتعاقدات مع الشركات الكبرى.

ومن الضروري كذلك الربط بين السياسة الصناعية والسياسة التجارية وسياسات التعليم والتدريب. فرفع القدرة التنافسية لا يتحقق فقط من خلال خفض تكاليف الإنتاج، بل يتطلب تحسين الجودة والالتزام بالمواصفات ورفع الإنتاجية وتطوير التصميم والابتكار والقدرة على الاستجابة لمتطلبات الأسواق الخارجية.

وتستحق فرص العمل المستدامة اهتماما خاصا في هذه الجلسة. فالمعيار التنموي لا يتمثل في عدد الوظائف التي تنشأ بصورة مؤقتة، وإنما في قدرة الاقتصاد على توفير وظائف منتجة ومستقرة ذات أجور مناسبة ومسارات واضحة للتطور المهني. ومن هنا تصبح العلاقة بين الاستثمار والتشغيل أكثر أهمية من مجرد قياس حجم الأموال المستثمرة.

ولقياس النجاح في هذا المجال ينبغي متابعة مجموعة من المؤشرات، من بينها نمو الإنتاجية الصناعية، وتطور القيمة المضافة المحلية، وحجم الصادرات الصناعية وتنوعها، ومعدل الاستثمار الخاص، ونسبة المشروعات التي تتحول إلى طاقات إنتاجية فعلية، وعدد فرص العمل الجديدة وجودتها، ومدى استمرارها.

والسؤال الجوهري الذي ينبغي أن يظل حاضرا هو: كيف يمكن تحويل تحسن بيئة الاستثمار إلى زيادة مستمرة في الإنتاج والصادرات وفرص العمل، وليس فقط إلى زيادة في عدد المشروعات أو قيمة الاستثمارات المعلنة؟

رابعا: مسيرة الطاقة المصرية وآفاق المستقبل بين أمن الإمدادات وكفاءة التكلفة

تحتل الطاقة موقعا استراتيجيا في أي تصور متكامل للتنمية الاقتصادية؛ فهي مدخل رئيسي للإنتاج الصناعي والزراعي والخدمي، كما تؤثر تكلفتها في الأسعار النهائية للسلع والخدمات وفي تنافسية الصادرات وجاذبية الاستثمار.

وتتناول جلسة الطاقة، وفقا للمحاور المعلنة، تطور منظومة الطاقة المصرية خلال السنوات الماضية، والقدرات التي جرى بناؤها في قطاعات الكهرباء والبترول والغاز، والتوسع في الطاقة المتجددة، وتعزيز أمن الإمدادات، وتنويع مصادر الطاقة، والاستعداد للصدمات المستقبلية بأقل تكلفة ممكنة على الاقتصاد والمواطن.

وتكمن أهمية هذه الموضوعات في أن أمن الطاقة لم يعد مرتبطا فقط بتوافر الإمدادات، بل أصبح يرتبط أيضا بتكلفتها ومرونة مصادرها وقدرة المنظومة على التعامل مع التغيرات في الأسواق العالمية والاضطرابات الجيوسياسية وتقلبات أسعار الوقود.

وتكشف التطورات الدولية عن مدى تأثر الاقتصادات بتقلبات أسواق الطاقة، وما يمكن أن تفرضه من ضغوط على الموازنات العامة وتكاليف الإنتاج والأسعار والتوازنات الخارجية. ولذلك فإن بناء منظومة طاقة أكثر مرونة يتطلب تنويع المصادر وتحسين كفاءة الاستخدام وتطوير البنية الأساسية وتوسيع الاستفادة من الطاقات المتجددة، إلى جانب التخطيط المستمر للاحتياجات المستقبلية.

ومن المنظور الاقتصادي، ينبغي تقييم مشروعات الطاقة على أساس قدرتها على تحقيق عائد مستدام، وليس فقط على أساس حجم الاستثمارات التي تتطلبها أو القدرات التي تضيفها. ويشمل ذلك تكلفة التمويل والتشغيل والصيانة، وأثر المشروع على أمن الإمدادات، ومساهمته في خفض تكلفة الطاقة على المدى الطويل، ومدى ملاءمته للطلب المتوقع، وقدرته على جذب استثمارات جديدة.

كما أن تحسين كفاءة استخدام الطاقة يمكن أن يحقق مكاسب اقتصادية مباشرة من خلال تقليل الفاقد وخفض تكاليف الإنتاج وتحسين تنافسية المنشآت. وقد تكون زيادة كفاءة الاستخدام في بعض الحالات أقل تكلفة من التوسع في إنتاج كميات إضافية من الطاقة، الأمر الذي يجعلها جزءا أساسيا من سياسة الطاقة وليس مجرد إجراء تكميلي.

وتبرز أيضا أهمية التكامل بين سياسة الطاقة والسياسة الصناعية. فالصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة تحتاج إلى وضوح في الإمدادات والتكاليف حتى تتمكن من التخطيط للاستثمار والتوسع، بينما يمكن لتطوير الصناعة المحلية ومكوناتها التكنولوجية أن يوسع فرص المشاركة في مشروعات الطاقة وسلاسل القيمة المرتبطة بها.

وتتطلب المرحلة المقبلة الجمع بين تأمين الإمدادات الحالية والاستعداد للاحتياجات المستقبلية، مع مراعاة التوازن بين أمن الطاقة والتكلفة والاستدامة المالية والبيئية. ويستدعي ذلك مؤشرات واضحة لقياس كفاءة المنظومة، مثل موثوقية الإمدادات وتكلفة الطاقة والإنتاجية وكفاءة الاستخدام ونسبة مساهمة المصادر المختلفة في مزيج الطاقة، فضلا عن مدى قدرة الاستثمارات الجديدة على دعم النشاط الاقتصادي.

والأهم أن ترتبط مناقشة الطاقة بسؤال مباشر عن أثرها في الاقتصاد والمواطن: كيف يمكن توفير الطاقة اللازمة للنمو الصناعي والتوسع الإنتاجي بأعلى كفاءة ممكنة، وبما يقلل التعرض للصدمات الخارجية ويحد من انتقال آثارها إلى تكاليف المعيشة والإنتاج؟

خامسا: موارد النقد الأجنبي وإدارة الدين العام من الاستقرار إلى الاستدامة

تعد موارد النقد الأجنبي وإدارة الدين من أكثر القضايا ارتباطا بالاستقرار الاقتصادي وثقة المستثمرين وتوقعات المواطنين. فالنقد الأجنبي يرتبط بقدرة الاقتصاد على تمويل احتياجاته الخارجية واستيراد مدخلات الإنتاج والوفاء بالتزاماته، بينما تؤثر إدارة الدين في تكلفة التمويل المتاح للدولة وفي المساحة المالية التي يمكن توجيهها إلى الخدمات والاستثمار والتنمية.

وتكتسب الجلسة المخصصة لهذا الملف أهمية خاصة لأنها تطرح أسئلة مباشرة تشغل الرأي العام، من بينها: من أين يأتي النقد الأجنبي؟ وكيف يستخدم؟ وما مدى قدرة الاقتصاد على الوفاء بالتزاماته؟ وكيف يمكن إدارة الدين بصورة تضمن استدامته على المديين المتوسط والطويل؟

ولا يمكن تناول هذه الأسئلة من خلال رقم منفرد أو مؤشر واحد. فالتقييم الاقتصادي السليم يتطلب التمييز بين التدفقات المؤقتة والموارد المستدامة، وبين تحسن السيولة على المدى القصير وتحسن القدرة على توليد النقد الأجنبي بصورة مستمرة. كما يتطلب تحليل هيكل الدين وآجاله وتكلفته ومصادر تمويله والالتزامات المستقبلية المرتبطة به.

وتتعدد مصادر النقد الأجنبي التي يمكن للاقتصاد الاعتماد عليها، وفي مقدمتها الصادرات السلعية والخدمية والسياحة والاستثمار الأجنبي المباشر وتحويلات المصريين العاملين بالخارج وإيرادات الخدمات المختلفة. وتختلف أهمية كل مصدر بحسب استقراره وقابليته للنمو وقدرته على توليد قيمة مضافة محلية وفرص عمل.

ومن هنا فإن تعزيز الموارد الخارجية بصورة مستدامة يتطلب توسيع القدرة التصديرية للاقتصاد، وتحسين جودة المنتجات والخدمات، ورفع تنافسية القطاعات الإنتاجية، وتطوير الخدمات اللوجستية، وزيادة قدرة الشركات المصرية على النفاذ إلى الأسواق الخارجية. كما يتطلب تعظيم العائد الاقتصادي من الأنشطة الخدمية والسياحية والاستفادة من الموقع الجغرافي والبنية الأساسية، مع تشجيع الاستثمارات التي تضيف قدرات إنتاجية جديدة وتدعم التصدير.

أما إدارة الدين العام فلا ينبغي أن تقتصر على متابعة حجم الدين، رغم أهميته، وإنما يجب أن تشمل تكلفة خدمته مقارنة بالإيرادات العامة، وآجال الاستحقاق، والاحتياجات التمويلية، ومصادر الاقتراض، ومدى ارتباط التمويل بأصول أو أنشطة تحقق عائدا اقتصاديا واجتماعيا.

ويعد التمييز بين استخدام الاقتراض لتمويل استثمارات قادرة على رفع الإنتاجية وتوليد عوائد مستقبلية وبين الاعتماد عليه بصورة متكررة لتغطية احتياجات جارية مسألة جوهرية في تقييم الاستدامة. فالاقتراض قد يكون أداة اقتصادية مشروعة لتمويل التنمية، لكن كفاءته تتوقف على تكلفة التمويل والعائد المتوقع والقدرة على الوفاء بالالتزامات دون إضعاف الإنفاق الضروري على الخدمات العامة.

وتتطلب الإدارة الرشيدة للدين تحسين كفاءة الإنفاق العام وتوسيع القاعدة الإنتاجية وتعزيز الإيرادات المستدامة وإدارة الاستحقاقات بكفاءة وتطوير أسواق التمويل المحلية. كما ينبغي أن تكون مؤشرات الدين واضحة ومفهومة للرأي العام، وأن تفسر في سياقها الاقتصادي، مع بيان التطورات في التكلفة والآجال والاحتياجات التمويلية والمخاطر المحتملة.

ومن المهم أيضا النظر إلى ملف النقد الأجنبي والدين باعتبارهما مرتبطين بالقدرة الإنتاجية للاقتصاد. فكلما زادت الصادرات وارتفعت القيمة المضافة المحلية وتحسنت كفاءة استخدام الموارد، ازدادت قدرة الاقتصاد على توليد تدفقات خارجية مستدامة، وتراجعت الضغوط المرتبطة بتمويل احتياجاته.

والهدف ليس فقط تخفيف الضغوط الحالية، بل بناء قدرة مستدامة على توليد النقد الأجنبي وإدارة الالتزامات المالية بما يدعم الاستقرار ويوفر مساحة أكبر للإنفاق التنموي ويحسن قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات.

سادسا: البرنامج الاقتصادي الوطني حتى عام 2030 وملامح المرحلة المقبلة

تكتسب جلسة ملامح البرنامج الاقتصادي المصري حتى عام 2030 أهمية استراتيجية؛ لأنها تتيح مناقشة اتجاهات المرحلة المقبلة بعد سنوات من الإصلاحات الاقتصادية، وتطرح سؤالا محوريا حول كيفية الانتقال من التركيز على الاستقرار الاقتصادي إلى بناء نموذج نمو أكثر إنتاجية وتنافسية وشمولا.

ولا يعني الانتقال إلى مرحلة جديدة التخلي عن أهمية الاستقرار المالي والنقدي، بل يعني البناء عليه باعتباره شرطا ضروريا وليس غاية نهائية في حد ذاته. فالاستقرار يهيئ البيئة المناسبة للاستثمار، لكن تحويله إلى نمو مستدام يتطلب زيادة الإنتاجية وتوسيع الصادرات وتعزيز الاستثمار الخاص وتطوير القدرات البشرية وتحسين كفاءة تخصيص الموارد.

ويكتسب البرنامج الوطني أهميته من قدرته على وضع رؤية مترابطة للأولويات الاقتصادية خلال فترة زمنية محددة، وتحديد القطاعات الأكثر قدرة على دفع النمو والتشغيل والتصدير، وترتيب الإصلاحات المطلوبة وفقا لأهميتها وتأثيرها وتكلفتها والوقت اللازم لتنفيذها.

ويفترض أن يتجاوز البرنامج صياغة الأهداف العامة إلى تحديد إجراءات قابلة للتنفيذ، ومؤشرات لقياس الأداء، ومسؤوليات واضحة للجهات المعنية، وآليات للتنسيق بين السياسات المالية والنقدية والاستثمارية والصناعية والتجارية. كما ينبغي أن يوضح كيفية الربط بين الخطط القطاعية والموازنة العامة والخطة الاستثمارية للدولة، بما يعزز واقعية المستهدفات وقابليتها للتحقق.

وتعد مشاركة القطاع الخاص في قيادة النمو من العناصر المهمة في هذا المسار. فالقطاع الخاص يمكن أن يؤدي دورا أساسيا في الاستثمار والتشغيل والابتكار وتوسيع الصادرات، لكن تعزيز هذا الدور يتطلب بيئة تنافسية مستقرة وإجراءات واضحة ونفاذا عادلا إلى الفرص والتمويل والبنية الأساسية، فضلا عن تقليل المعوقات الإدارية والتنظيمية التي تحد من التوسع والإنتاج.

كما ينبغي أن يولي البرنامج اهتماما متوازنا بالأبعاد الاجتماعية للنمو، لأن الاستدامة الاقتصادية لا تنفصل عن قدرة المجتمع على تحمل تكاليف التحول والاستفادة من الفرص الجديدة. ويتطلب ذلك تطوير المهارات، وتحسين جودة التعليم والتدريب، وتعزيز الحماية الاجتماعية الموجهة للفئات الأكثر احتياجا، وتوسيع فرص العمل المنتج، ومراعاة الآثار التوزيعية للسياسات والإصلاحات.

ومن الضروري أن تكون أهداف البرنامج قابلة للقياس من خلال مؤشرات مثل نمو الإنتاجية، وتطور الاستثمار الخاص، وزيادة الصادرات وتنوعها، وخلق فرص العمل، وتحسن الأجور الحقيقية، وتطور مؤشرات الدين والاحتياجات التمويلية، وارتفاع كفاءة الخدمات العامة. كما ينبغي نشر نتائج المتابعة بصورة دورية بما يوضح ما تحقق والفجوات القائمة والإجراءات التصحيحية المطلوبة.

وتزداد قيمة البرنامج حين يكون إطارا عمليا للتنسيق بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والخبراء ومؤسسات البحث، وليس مجرد وثيقة تحدد الأهداف. فنجاحه يتوقف على وضوح الأولويات والقدرة على التنفيذ والمرونة في التعامل مع المتغيرات، مع الحفاظ على اتساق السياسات واستمرارية التوجهات الأساسية.

سابعا: المواطن في قلب المعادلة الاقتصادية

رغم الأهمية الكبيرة للاستثمار والطاقة والدين والإصلاحات الاقتصادية، فإن المعيار النهائي لنجاح السياسات يظل مرتبطا بمدى انعكاسها على حياة المواطنين. فالنمو الاقتصادي يكتسب معناه التنموي عندما يسهم في تحسين فرص العمل ورفع الدخول الحقيقية وتطوير الخدمات وتعزيز القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية.

وقد تظهر نتائج بعض السياسات في المؤشرات الكلية قبل أن يشعر المواطن بأثرها بصورة مباشرة. وقد يرجع ذلك إلى استمرار الضغوط التضخمية أو بطء انتقال أثر الاستثمار إلى التشغيل أو تفاوت استفادة القطاعات والفئات من النمو أو تأخر ظهور العائد الكامل للمشروعات. ولذلك فإن تقييم الأداء الاقتصادي يتطلب الربط بين المؤشرات الكلية والمؤشرات الاجتماعية والمعيشية.

ولا يكفي في هذا الإطار الاعتماد على معدلات النمو وحدها، بل ينبغي متابعة تطور الأجور الحقيقية بعد احتساب أثر الأسعار، ومعدلات التشغيل وجودة الوظائف، ومؤشرات الفقر، وتكلفة الاحتياجات الأساسية، ومدى تحسن الخدمات الصحية والتعليمية، وقدرة الأسر على الوفاء باحتياجاتها.

كما أن تحسين القوة الشرائية لا يتحقق من خلال إجراءات مؤقتة فقط، وإنما يتطلب معالجة العوامل الهيكلية المؤثرة في الأسعار والدخول. فزيادة الإنتاج المحلي وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد وتعزيز المنافسة ورفع الإنتاجية يمكن أن تسهم في الحد من الضغوط على تكاليف الإنتاج والأسعار. وفي الوقت نفسه تظل الحماية الاجتماعية الموجهة أداة مهمة لحماية الفئات الأكثر تأثرا بالضغوط الاقتصادية.

ويبرز هنا دور التعليم والتدريب في تعزيز الصلة بين النمو والتنمية البشرية. فكلما ارتبطت المهارات المكتسبة باحتياجات سوق العمل، وتحسنت قدرة العاملين على استخدام التكنولوجيا والتكيف مع التغيرات الإنتاجية، ازدادت فرص انتقال الاقتصاد إلى أنشطة ذات قيمة مضافة أعلى وأجور أفضل.

ومن ثم فإن نجاح البرنامج الاقتصادي لا ينبغي أن يقاس فقط بمدى تحسن المؤشرات المالية والنقدية، بل أيضا بقدرته على توسيع الفرص وتحسين جودة الوظائف ورفع الدخل الحقيقي وتطوير الخدمات وتقليل الفجوات بين الفئات والمناطق.

ثامنا: الحوار الاقتصادي والشفافية وبناء الثقة

تتجاوز قيمة المنتدى حدود عرض السياسات إلى إتاحة مساحة لتفسيرها ومناقشة آثارها والاستماع إلى التساؤلات التي يطرحها المجتمع. فالسياسات الاقتصادية الأكثر تعقيدا تحتاج إلى تواصل واضح يشرح أهدافها وتكاليفها ومنافعها والنتائج المتوقعة منها، ويبين كذلك حدود ما يمكن تحقيقه في الأجل القصير وما يتطلب وقتا أطول.

ولا تعني الشفافية الاكتفاء بعرض الأرقام، بل تتطلب تقديمها في سياقها الصحيح وشرح دلالاتها ومصادرها وحدودها. فعند مناقشة الدين مثلا، ينبغي ألا يقتصر الحوار على إجمالي المديونية، وإنما يتناول تكلفة الخدمة والآجال والاحتياجات التمويلية والقدرة على الوفاء بالالتزامات. وعند تناول الاستثمار، ينبغي التمييز بين الاستثمارات المعلنة والمنفذة، وبين حجم الأموال المتدفقة والعائد الإنتاجي الذي تحقق بالفعل.

وتساعد هذه المقاربة على بناء نقاش اقتصادي أكثر نضجا، لأنها تنقل الحوار من المقارنات المجردة إلى تحليل الأسباب والنتائج والبدائل. كما تتيح للمواطن فهم العلاقة بين القرارات الاقتصادية والنتائج التي يلمسها في حياته اليومية.

ويكتسب الحوار كذلك أهمية في تحديد أولويات الإصلاح من خلال الجمع بين الخبرة الفنية والتجربة الواقعية. فالخبراء يمكنهم تحليل المؤشرات وتقدير البدائل، بينما يقدم المواطنون والعاملون والمستثمرون صورة مباشرة عن المعوقات العملية التي تواجههم. ويؤدي التكامل بين هذين المستويين إلى تحسين جودة التشخيص وواقعية الحلول.

ومن هنا فإن نجاح المنتدى يرتبط بمدى قدرته على تحويل تنوع الآراء إلى معرفة قابلة للاستخدام في صياغة السياسات، وعلى جعل الحوار مدخلا لتحسين التنفيذ والمتابعة والمساءلة، لا مجرد مناسبة لتبادل وجهات النظر.

تاسعا: كيف يمكن تعظيم العائد من المنتدى؟

تتوقف القيمة العملية للمنتدى على ما يمكن أن يترتب على جلساته من مخرجات واضحة وقابلة للمتابعة. فالحوار يكتسب أهميته الكاملة عندما يسهم في تحديد المشكلات بدقة، وترتيب الأولويات، واختيار البدائل الأكثر جدوى، ثم تحويلها إلى إجراءات تنفيذية محددة.

وفي هذا السياق يمكن أن تستند المتابعة إلى عدد من المبادئ الأساسية.

أولها تحديد خط أساس واضح لكل قضية مطروحة، حتى يمكن قياس التغير الذي يتحقق لاحقا. وثانيها وضع مستهدفات كمية وزمنية واقعية تسمح بتقييم الأداء. وثالثها تحديد مسؤولية التنفيذ والتنسيق بين الجهات المعنية. ورابعها ربط الإجراءات المقترحة بالموارد التمويلية والقدرات المؤسسية المتاحة. وخامسها إتاحة تقارير دورية توضح التقدم المحقق والانحرافات وأسبابها والإجراءات التصحيحية.

كما ينبغي أن تتضمن المخرجات تمييزا بين الإجراءات العاجلة التي تستهدف التعامل مع الضغوط القائمة، والإصلاحات المتوسطة الأجل التي تعالج الاختلالات الهيكلية، والتحولات طويلة الأجل التي تستهدف رفع الإنتاجية وتطوير القدرات التكنولوجية والبشرية.

ويعد ترتيب الأولويات من أهم عناصر النجاح؛ إذ لا يمكن معالجة جميع التحديات في وقت واحد أو بالدرجة نفسها. ولذلك فإن اختيار التدخلات ينبغي أن يستند إلى أثرها الاقتصادي والاجتماعي المتوقع، وتكلفتها، ومدى جاهزية التنفيذ، وقدرتها على تحفيز استثمارات إضافية وتحقيق نتائج ملموسة.

ومن المفيد كذلك ربط مخرجات الجلسات الاقتصادية بإطار موحد لمؤشرات الأداء، يجمع بين الاستثمار المنتج ونمو الصادرات والإنتاجية والتشغيل والأجور الحقيقية واستدامة المالية العامة وأمن الطاقة. ويساعد هذا الإطار على تقييم السياسات باعتبارها منظومة واحدة، بدلا من الاكتفاء بمتابعة كل ملف من خلال مؤشرات منفصلة قد لا تكشف الأثر النهائي على الاقتصاد والمجتمع.

عاشرا: التحديات التي ينبغي أن يواجهها الحوار الاقتصادي بموضوعية

إن التقييم الجاد للمرحلة المقبلة يتطلب الاعتراف بأن التحول إلى نموذج نمو أكثر إنتاجية لا يتحقق بمجرد إعلان المستهدفات. فهناك تحديات تتعلق بتكلفة التمويل وتوافر النقد الأجنبي وتقلبات الأسواق العالمية واحتياجات الطاقة والقدرة التنافسية للمنتجات المحلية وكفاءة المؤسسات والمهارات المتاحة في سوق العمل.

وتتطلب مواجهة هذه التحديات سياسات متكاملة لا تكتفي بمعالجة الأعراض. فزيادة الصادرات تحتاج إلى استثمار صناعي وتكنولوجيا وجودة وخدمات لوجستية ونفاذ إلى الأسواق. وجذب الاستثمار يحتاج إلى بيئة مستقرة وقواعد واضحة ومنافسة عادلة. وتحسين إدارة الدين يحتاج إلى انضباط مالي ونمو إنتاجي وإدارة كفؤة للاستحقاقات. أما تحسين مستويات المعيشة فيحتاج إلى زيادة الإنتاجية وفرص العمل والأجور الحقيقية بالتوازي مع حماية الفئات الأكثر تأثرا بالضغوط.

ومن التحديات أيضا ضرورة تحقيق الاتساق بين الأهداف الاقتصادية والاجتماعية. فقد يكون لبعض الإجراءات أثر قصير الأجل على التكلفة أو الدخول، بينما تظهر منافعها على المدى المتوسط أو الطويل. وهنا تبرز أهمية التقييم الدقيق للآثار وتحديد الفئات الأكثر تأثرا وتصميم أدوات الحماية المناسبة، مع متابعة النتائج الفعلية وتعديل السياسات عند الحاجة.

كذلك فإن التنافسية الاقتصادية لا تعتمد فقط على تكلفة عناصر الإنتاج، وإنما على جودة المؤسسات وسرعة الإجراءات والقدرة على الابتكار واستقرار التوقعات وكفاءة رأس المال البشري. ولذلك فإن الإصلاح الاقتصادي المستدام ينبغي أن يجمع بين السياسات الكلية والإصلاحات المؤسسية والتطوير الإنتاجي.

والتعامل مع هذه القضايا بموضوعية لا يقلل من قيمة ما تحقق، بل يساعد على تحديد ما ينبغي استكماله وما يحتاج إلى تطوير وما يتطلب إعادة ترتيب للأولويات، وهو ما يمثل إحدى أهم الوظائف التي يمكن أن يؤديها الحوار الاقتصادي المتخصص.

حادي عشر: نحو نموذج نمو يحقق التوازن بين الإنتاج والاستقرار والعدالة الاجتماعية

إن الرؤية الاقتصادية الأكثر قدرة على الاستمرار هي تلك التي تحقق التكامل بين ثلاثة أبعاد رئيسية: الاستقرار الاقتصادي، والنمو الإنتاجي، وتحسين جودة الحياة.

فالاستقرار يوفر البيئة اللازمة لاتخاذ القرارات الاستثمارية والتخطيط طويل الأجل. والنمو الإنتاجي يوسع الموارد المتاحة ويزيد القدرة على توليد الدخل والتصدير وفرص العمل. أما التنمية الاجتماعية فتضمن أن تتحول المكاسب الاقتصادية إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين وإلى فرص أوسع للمشاركة في النشاط الاقتصادي.

ولا يمكن تحقيق هذه الأبعاد بمعزل بعضها عن بعض. فالنمو الذي لا يولد وظائف كافية قد لا يحقق الأثر الاجتماعي المطلوب، والاستقرار الذي لا يصاحبه توسع إنتاجي قد يظل محدود الأثر على الدخول، والسياسات الاجتماعية التي لا تستند إلى قاعدة إنتاجية ومالية مستدامة قد تواجه صعوبات في الاستمرار.

ومن هنا فإن بناء نموذج نمو أكثر توازنا يتطلب توجيه الموارد نحو الأنشطة الأعلى قدرة على رفع الإنتاجية والقيمة المضافة، وتطوير سلاسل الإمداد المحلية، وزيادة تنافسية الصناعة، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، وتوسيع الصادرات، وتعزيز دور القطاع الخاص، بالتوازي مع إدارة رشيدة للدين والموارد العامة.

كما يتطلب استثمارا مستمرا في الإنسان من خلال التعليم والتدريب والصحة وتطوير المهارات. فالعنصر البشري ليس مجرد مستفيد من التنمية، بل هو أحد أهم مصادر الإنتاجية والابتكار والقدرة التنافسية. وكلما تحسنت نوعية رأس المال البشري ازدادت قدرة الاقتصاد على الانتقال إلى أنشطة أكثر تقدما وقيمة مضافة.

ويظل التحدي الأساسي هو بناء علاقة واضحة بين الإصلاح الاقتصادي وتحسن حياة المواطنين، بحيث تصبح نتائج السياسات قابلة للقياس من خلال مؤشرات يفهمها المجتمع ويمكن متابعتها بمرور الوقت.

خاتمة: قيمة المنتدى في قدرته على تحويل الحوار إلى مسار عمل

وأكد الأستاذ الدكتور أحمد جمعة عبد الغني حسن أن «منتدى مصر 2026» يمثل فرصة مهمة لفتح حوار وطني حول أولويات التنمية ومستقبل الاقتصاد المصري، وتزداد أهمية هذا الحوار من خلال المحور الاقتصادي الذي يجمع بين الطاقة والاستثمار والصناعة والنقد الأجنبي والدين والبرنامج الاقتصادي حتى عام 2030.

وتكشف هذه الموضوعات عن حقيقة أساسية مفادها أن التحدي الاقتصادي لا يتمثل في معالجة كل ملف بصورة منفصلة، وإنما في بناء منظومة متكاملة ترفع الإنتاجية وتعزز القدرة التنافسية وتوسع الصادرات وتوفر فرص عمل مستدامة وتحسن إدارة الموارد العامة وتدعم استقرار الاقتصاد في مواجهة الصدمات.

كما أن القيمة الحقيقية لأي برنامج اقتصادي لا تتحدد فقط بما يتضمنه من أهداف أو إصلاحات، بل بمدى وضوح آليات تنفيذه وقابلية مستهدفاته للقياس وقدرته على معالجة المعوقات وتحقيق نتائج ملموسة. ومن هنا تبرز أهمية الربط بين الرؤية الاستراتيجية والبرامج التنفيذية ومؤشرات الأداء والمتابعة الدورية.

وتبقى الغاية النهائية من هذا المسار أن يتحول الاستقرار إلى قاعدة لنمو أكثر إنتاجية، وأن يتحول الاستثمار إلى طاقات إنتاجية وصادرات وفرص عمل، وأن تتحول إدارة الموارد والدين إلى قدرة أكبر على تمويل التنمية، وأن تنعكس نتائج السياسات الاقتصادية على الدخول الحقيقية وجودة الخدمات ومستويات المعيشة.

وبهذا المعنى فإن المنتدى لا يمثل مجرد مساحة لعرض الملفات الاقتصادية، بل فرصة لتطوير طريقة التفكير في هذه الملفات من خلال الحوار والبيانات وتقييم البدائل وتحديد المسؤوليات. وتظل القيمة الأكبر التي يمكن أن تتحقق منه هي الانتقال من تشخيص التحديات إلى صياغة أولويات واضحة، ومن إعلان الأهداف إلى متابعة التنفيذ، ومن قياس المؤشرات الكلية إلى تقييم الأثر الاقتصادي والاجتماعي الفعلي.

فنجاح المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بقدرة الاقتصاد على تحقيق الاستقرار، وإنما بقدرته على توظيف هذا الاستقرار في بناء قاعدة إنتاجية أكثر قوة وتنوعا، وتوسيع فرص العمل، وتعزيز تنافسية الاقتصاد المصري، وتحسين حياة المواطنين بصورة مستدامة.