د.عاصم عبدالمنعم
تمويل المناخ والتحول العادل
سيُعقد مؤتمر الأمم المتحدة الحادي والثلاثون لتغير المناخ (COP31) في مدينة أنطاليا التركية خلال الفترة من 9 إلى 20 نوفمبر 2026. وبناءً على مخرجات مؤتمرات الأطراف السابقة -ولا سيما مؤتمر الأطراف الثلاثين (COP30) في بيليم- تَتبلور أهداف هذه الدورة في تَعزيز الحوار وتقوية التوافق وتسريع وتيرة التنفيذ. ويُمثل هذا الاجتماع محطة بالغة الأهمية للعالم أجمع إذ يأتي مباشرة بعد أول تقييم عالمي شامل للجهود المناخية (GST) وعقب استقرار الدول على تحديد "الهدف الكمي الجماعي الجديد" (NCQG) للتمويل المناخي. وبناءً على هذه الاستحقاقات التاريخية يضطلع مؤتمر الأطراف (COP31) بمهمةٍ واضحةٍ ومحددة: قيادة التحول الدولي من مرحلة التعهدات والخطط النظرية إلى مرحلة التطبيق الفعلي والملموس على أرض الواقع في جميع أنحاء العالم.
ما هو مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثون (COP31)؟
يُشكل مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثون (COP31) سلطة اتخاذ القرار العليا في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC) ، وينعقد هذا الحدث سنويًا ليمثل في آنٍ واحد: مؤتمر الأطراف في الاتفاقية الإطارية (COP) واجتماع الأطراف في بروتوكول كيوتو (CMP)واجتماع الأطراف في اتفاق باريس (CMA) ويجمع المؤتمر تحت مظلته 198 طرفاً (197 دولة بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي) لمراجعة التقدم المُحرز في تنفيذ بنود اتفاق باريس ومواصلة مسار المفاوضات الحكومية الدولية.
تتمثل الوظيفة الأساسية لدورة (COP31) في تفعيل المخرجات المستخلصة من المؤتمرات السابقة، مع التركيز بشكلٍ خاص على صياغة الهيكل المالي الجديد لما بعد عام 2025، وبلورة الاستجابة الجماعية لنتائج التقييم العالمي الشامل. وبذلك يعد المؤتمر في جوهره آلية محورية لرفع سقف الطموح المناخي العالمي مدعومًا بأطر عمل قوية ومتعددة الأطراف تُعزز التعاون الدولي.
أهداف قمة أنطاليا ومسؤولية القيادة المشتركة
سيركز هذا المؤتمر بشكلٍ أساسي على ضمان تنفيذ الالتزامات الواردة في اتفاقية باريس، والتي تقوم على ثلاثة محاور رئيسية: خفض الانبعاثات (التخفيف) والتعايش مع آثار التغير المناخي (التكيف) وتوفير الموارد المالية اللازمة (التمويل المناخي). وسَتسعى الدول خلال الاجتماعات إلى تحويل أهدافها الطموحة إلى إجراءات ملموسة وقابلة للقياس، مع توجيه الاستثمارات نحو التَعهدات المُعلنة وضمان دمج توصيات "التقييم العالمي الشامل" في خططها الوطنية بدعمٍ دولي قوي.
ومما لا شك فيه فإن الاتفاقيات والمسارات التي سترسمها الدول في مدينة أنطاليا التركية ستؤثر مباشرةً على قدرتنا الجماعية في الحفاظ على الهدف الأسمى لاتفاقية باريس: حصر الاحتباس الحراري ضمن عتبة 1.5 درجة مئوية. ومن جهة أخرى تقع على عاتق القيادة المشتركة للمؤتمر مسؤولية جسيمة لضمان توافق الرؤى نحو هذا الهدف العاجل إذ يتعين عليها تقييم مدى جدية خطط المناخ الوطنية الجديدة والمساهمات المحددة وطنياً (NDCs 3.0)، والدفع باتجاه تحقيق نتائج ملموسة تُساهم في تقليص الفجوة بين واقعنا الحالي وما يجب القيام به لحماية كوكب الأرض.
مجالات التفاوض الرئيسية لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ ذات الصلة بمؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين
- التخفيف والمساهمات المحددة وطنياً (NDCs 3.0)
- التركيز الأساسي:تقييم الطموح الجماعي المنعكس في الجيل الثالث من المساهمات المحددة وطنياًوالمقدمة بحلول عام 2025 لضمان توافق خطط الدول الاستراتيجية مع حد الـ 1.5 درجة مئوية.
المهام الرئيسية:إضفاء الطابع الرسمي على آليات التنفيذ الرامية لمضاعفة القدرة العالمية للطاقة المتجددة ثلاث مرات، ومضاعفة معدلات كفاءة الطاقة بحلول عام 2030. ويتطلب هذا المسار من الأطراف تفعيل أدوات سياسية شاملة لتحول أنظمة الطاقة، وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري عالي الانبعاثات في قطاعي النقل والصناعة.
تحدي التنفيذ:يكمن التحدي الجوهري في ضمان أن تكون هذه المساهمات شاملة لكافة قطاعات الاقتصاد وممولة بالكامل؛ بحيث تتجاوز مجرد التعهدات الطموحة إلى تبني سياسات محلية إلزامية وأطر استثمارية قادرة على تحقيق الخفض المطلوب في الانبعاثات بحلول عام 2030. كما يتعين على الدول توضيح خططها للتحول التدريجي بعيدًا عن توليد الطاقة بالفحم التقليدي غير الخاضع لتقنيات احتجاز الكربون، وإنهاء الدعم المالي غير الفعال للوقود الأحفوري.
2- الهدف العالمي بشأن التكيف (GGA)
التركيز الأساسي: الانتقال بالهدف العالمي بشأن التكيف إلى مرحلة التنفيذ الفعلي عبر صياغة أطر عمل ومؤشرات ومقاييس دعم واضحة وقابلة للقياس تَتَيح رصد وتقييم التقدم الجماعي المحرز نحو تحقيق أهدافه السبعة.
الأهداف المواضيعية:يَشمل النطاق الموضوعي للهدف العالمي للتكيف قطاعات حيوية رئيسية أبرزها: الأمن المائي وإنتاج الغذاء المستدام وتعزيز النظم الصحية ومرونة النظم الإيكولوجية وحماية البنية التحتية والقضاء على الفقر وتطوير دورات التخطيط الوطنية للتكيف.
المهام الرئيسية:سد الفجوة التمويلية الحادة التي تواجه مشاريع التكيف، ورسم مسارات واضحة لزيادة تمويل التكيف مع توجيه الدعم المالي المباشر للمجتمعات الأكثرعُرضة لتبعات التغير المناخي. ويتطلب ذلك تنويع مصادر التمويل المُستدام وتيسير آليات الوصول إلى الموارد المالية لا سيما لصالح البلدان الأقل نموًا والدول الجزرية الصغيرة النامية عبر تبسيط الإجراءات الإدارية لصرف تلك الأموال.
3- تمويل المناخ الهدف الكمي الجماعي الجديد (NCQG)
التركيز الأساسي: تفعيل الآليات التنفيذية للهدف الكمي الجماعي الجديد (NCQG) لتحديد هيكل تمويل المناخ لما بعد عام 2025، والانطلاق من القيمة الأساسية المعتمدة في المؤتمرات السابقة كأرضية لبناء التزامات تمويلية طموحة تلبي الاحتياجات الفعلية للدول النامية.
المهام الرئيسية:تُركز المفاوضات على تحديد طبيعة وأدوات هذا التمويل (مثل الموازنة بين المنح والقروض الميسرة)، وآليات الحوكمة وجهود التعبئة الأولية للموارد. كما تشمل النقاط الجوهرية تأمين التزامات مالية من قاعدة مساهمين أوسع تشمل الاقتصادات الناشئة والقطاع الخاص لضمان استجابة الهدف المالي لمتطلبات التخفيف والتكيف معًا بشكلٍ عادل ومتوازن.
تحديات التنفيذ:تكمن الصعوبة في وضع منهجيات واضحة وشفافة لتتبع تدفقات التمويل العام والخاص تحت مظلة هذا الهدف الجديد، وضمان أن يُسفر الحوار الوزاري رفيع المستوى الذي يُعقد كل سنتين بشأن تمويل المناخ عن تعهدات مالية ملموسة وقابلة للتحقق بما يعزز القدرة على التنبؤ بالدعم المالي واستدامته.
4- تمويل الخسائر والأضرار
التركيز الأساسي: التفعيل العملي والتشغيلي لهيكل صندوق الاستجابة للخسائر والأضرار بما يشمل وضع اللمسات الأخيرة على آليات الحوكمة الخاصة بالصرف، وتأمين التزامات مالية مُستدامة وقابلة للتنبؤ تتجاوز التعهدات الأولية التي قُدمت عند التأسيس.
تحديات الحوكمة:مُعالجة الحساسيات السياسية المُستمرة المُتعلقة بآليات تجديد موارد الصندوق وتحديد معايير الجهات المستفيدة المُؤهلة، وضمان سرعة تَدفق الأموال وصرفها للمجتمعات التي تواجه آثارًا مناخية حادة ولا رجعة فيها. ويتضمن ذلك ضبط بنود استضافة البنك الدولي المؤقتة للصندوق، والتمهيد للانتقال السلس نحو أمانة عامة مُستقلة تمامًا للـصندوق.
المهام الرئيسية:تَقييم ومراجعة عمل شبكة سانتياغو للخسائر والأضرار لضمان تقديم المساعدة التقنية وبناء القدرات في الوقت المناسب وتبادل المعرفة والخبرات، وتشكيل شبكة دعم وتآزر للدول الأكثر تضررًا من الكوارث المناخية الدائمة. ويَهدف هذا المسار في مجمله إلى سد الفجوة العميقة بين التعهدات المالية المُعلنة والاحتياجات الحقيقية على أرض الواقع.
5- إطار الشفافية المعزز (ETF)
التركيز الأساسي:إجراء تقييم سياسي وفني لمدى جاهزية وفاعلية تنفيذ "إطار الشفافية المعزز"، والوقوف على مخرجات تقارير الشفافية الثنائية الأولى (BTR1) التي كان يتعين على الأطراف تقديمها، مما يجعل (COP31) منصة لتقييم الالتزام الفعلي بالشفافية.
متطلبات الإبلاغ: يُعد تقديم هذه التقارير الدورية (كل سنتين) إلزاميًا لجميع الأطراف؛ إذ يجب أن تتضمن بيانات شاملة ومُحدثة عن قوائم جرد انبعاثات غازات الاحتباس الحرارى الوطنية، والتقدم المحرز نحو تحقيق المُساهمات المحددة وطنيًا، بالإضافة إلى تَتبع الدعم المالي المناخي، ويهدف هذا الإطار إلى إرساء مستوى أعلى من الصرامة والدقة وقابلية المقارنة مقارنة بآليات الإبلاغ والتحقق السابقة(الرصد والإبلاغ والتحقق).
المهام الرئيسية: تُركز المفاوضات على تَعزيز وبناء القدرات الفنية للدول النامية لمساعدتها على تلبية متطلبات الإبلاغ المُعقدة، وضمان أن يكون الإطار قويًا وقابلًا للتطبيق العالمي، بما يُثري دورات التقييم العالمي الشاملالمستقبلية (GST)ببيانات موثوقة. ويتطلب ذلك وضع اللمسات الأخيرة على المبادئ التوجيهية للمراجعة الفنية من قبل الخبراء وتوسيع قاعدة بيانات المراجعين الدوليين المؤهلين والمستقلين.
6- أسواق الكربون (المادة 6 من اتفاقية باريس)
التركيز الأساسي:وضع اللمسات الأخيرة على القواعد الفنية والتشغيلية المعلقة والمتعلقة بالمادة 6 (النهج التعاونية والآلية المركزية لأسواق الكربون) لإطلاق العنان لآليات التعاون الدولي عبر أسواق كربونية مُنظمة وموثوقة.
نقاط الخلاف الجوهرية:تسوية المسائل الحرجة المُتعلقة بالآلية بموجب المادة (6.4) لا سيما ما يتعلق بتفويض تخفيضات الانبعاثات لأغراض التحويل الدولي وتحديد قواعد اقتطاع حصة من العائدات لتوجيهها إلى صندوق التكيف وضمان تطبيق تعديلات مقابلة قوية لمنع الازدواجية في حساب خفض الانبعاثات.
المهام الرئيسية: صياغة توجيهات تشغيلية واضحة تضمن حماية "السلامة البيئية" بشكلٍ كاملٍ في كافة الآليات السوقية، والتَحقق من شرط الإضافية وبما يضمن أن تُساهم هذه الأسواق فعليًا في رفع سقف الطموح المناخي العالمي تماشيًا مع "كتاب قواعد باريس" الذي أُقِرت ركائزه في مؤتمر غلاسكو (COP26).
وفي الختام يتعين على جميع الأطراف المشاركة في مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين العمل على تحويل الوعود المناخية إلى واقعٍ ملموس. ويتطلب ذلك إحراز تقدم حقيقي في المحادثات الرسمية من خلال خطة العمل وخارطة الطريق مع جعل التمويل المناخي ركيزة أساسية للتنفيذ.
فمن الضروري إحداث زيادة نوعية في تمويل المناخ المُقدم من الدول المتقدمة إلى الدول النامية بما يتماشى مع المادة 9 من اتفاقية باريس؛ وهو ما يعني زيادة تمويل التكيف إلى ثلاثة أمثال على الأقل بحلول عام 2035 مقارنة بمستويات عام 2025. كما يجب زيادة الاستثمار في الحلول القائمة على الطبيعة، ومواءمة التدفقات المالية كافة مع هدف الحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض عند 1.5 درجة مئوية.
ومن جانب آخر لا بد أن تشمل الأولويات تسريع الانتقال العادل من الوقود الأحفورى وخفض الانبعاثات الصناعية فضلاً عن حماية النظم البيئية واستعادتها مع وقف إزالة الغابات وتدهور التربة وعكس مسارهما.
مقال
تمويل المناخ والتحول العادل: أولويات حاسمة على طاولةمؤتمر الأطراف الحادى والثلاثين
ا.د/ عاصم عبد المنعم أحمد محمد
استاذ إقتصاديات المناخ الزراعى
مركز معلومات تغير المناخ والطاقة المتجددة والنظم الخبيرة
مركز البحوث الزراعية- وزارة الزراعة وإستصلاح الأراضى
المراجع
تابع موقع المؤشر علي تطبيق نبض















