د. رمضان طنطاوي
«ميشلان»..من إطارات السيارات إلى صدارة تصنيفات المطاعم
تعود أصول نجمة ميشلان إلى فكرة تسويقية بدأت عام 1889 في فرنسا، عندما أسس الأخوان أندريه وإدوارد ميشلان شركة ميشلان الشهيرة لصناعة إطارات السيارات.
كانت الفكرة الترويجية بسيطة في ذلك الوقت، إذ كان عدد السيارات في فرنسا قليلًا جدًا. لذلك، أراد الأخوان تشجيع الناس على القيادة والسفر بالسيارات لمسافات أطول، بما يؤدي إلى زيادة استهلاك الإطارات والحاجة إلى تغييرها وشرائها بصورة مستمرة.
وفي عام 1900، أصدر الأخوان دليلًا مجانيًا صغيرًا عُرف باسم «دليل ميشلان»، لمساعدة السائقين أثناء رحلاتهم. وتضمن الدليل خرائط، ومواقع محطات الوقود، وإرشادات لإصلاح الإطارات، إلى جانب ترشيحات لأماكن الاستراحة والفنادق والمطاعم.
وبمرور الوقت، وتحديدًا في عام 1920، شهد الدليل تطورًا ملحوظًا؛ إذ بدأ في فرض رسوم على الحصول عليه، وضم قوائم موسعة للمطاعم.
وفي عام 1926، بدأت الشركة في إرسال مفتشين سريين لتقييم المطاعم، كما أطلقت نظام النجمة الواحدة في العام نفسه، قبل أن يتطور النظام إلى تصنيف النجوم الثلاث في عام 1931.
ماذا تعني نجوم ميشلان اليوم؟
تُمنح نجوم ميشلان للمطعم نفسه، وليس للشيف، بناءً على تقييمات يجريها مفتشون متخصصون يعملون بسرية واستقلالية، وفق معايير محددة.
وتعني النجوم ما يلي:
نجمة واحدة: مطعم جيد جدًا ضمن فئته، ويستحق التوقف عنده أثناء السفر.
نجمتان: مطعم يقدم طهيًا ممتازًا، ويستحق تغيير مسار الرحلة من أجل زيارته.
ثلاث نجوم: مطعم استثنائي يستحق السفر خصيصًا لتجربته.
أين المطاعم المصرية من تصنيفات ميشلان؟
لأنني مهتم بمكانة مصر السياحية، وبما تمثله المطاعم باعتبارها أحد أهم عناصر الضيافة ومرآة تعكس تنوع المطبخ المصري العريق وثراءه، فإن غياب المطاعم المصرية عن تصنيف نجوم ميشلان يثير تساؤلًا مهمًا، حتى الآن، لا توجد مطاعم داخل مصر مدرجة ضمن قائمة المطاعم الحاصلة على نجوم ميشلان، إذ لم يمتد دليل ميشلان الرسمي لتقييم المطاعم إلى مصر بصورة رسمية.
ويحدث ذلك رغم وجود مطاعم متميزة في مصر، تتمتع بمستويات مرتفعة من الجودة والخدمة، لا سيما في القاهرة والمدن الكبرى، وتقدم تجارب طعام يمكن أن تنافس على مستويات عالمية. ومن أبرز هذه المطاعم، مطاعم فاخرة في القاهرة بمستويات تستحق المنافسة
1- ساتشي (Sachi)
الفروع: مصر الجديدة والشيخ زايد.
نوع المطبخ: يقدم مزيجًا من المطبخين الياباني والمتوسطي، ويشتهر بأطباق السوشي والستيك، ومنها شاتوبريان.
2- كازوكو (Kazoku)
الموقع: كومباوند سوان ليك، القاهرة الجديدة.
نوع المطبخ: مطعم ياباني معاصر يقدم أطباق السوشي وأطباق الروباتا.
3- إيزاكايا (Izakaya)
الموقع: الشيخ زايد.
نوع المطبخ: يقدم مطبخ نيكاي، الذي يجمع بين تقاليد الطهي اليابانية والبيروفية.
4- مطعم خوفو (Khufu's)
الموقع: أمام أهرامات الجيزة.
نوع المطبخ: يقدم أطباقًا مصرية برؤية حديثة، في تجربة تجمع بين الطعام المصري والإطلالة المباشرة على الأهرامات.
5- زووبا (Zooba)
الموقع: يقع فرعه الرئيسي في الزمالك.
نوع المطبخ: يقدم نسخة مطورة ومعاصرة من أطعمة الشارع المصري التقليدية، مثل الكشري والطعمية.
وتعكس هذه النماذج تنوع التجارب التي تقدمها المطاعم المصرية، سواء من خلال تطوير المطبخ المحلي أو تقديم مطابخ عالمية بمستويات متميزة من الخدمة والجودة.
مطاعم مصرية وصلت إلى دليل ميشلان خارج مصر
على الجانب الآخر، نجحت مطاعم تقدم المطبخ المصري خارج البلاد في الوصول إلى دليل ميشلان، وهو ما يعكس قدرة الأكل المصري على جذب اهتمام جمهور المطاعم العالمية.
ومن الأمثلة على ذلك مطعم مها (Maha's) في مدينة تورونتو الكندية، الذي تديره الشيف المصرية مها برسوم، ويقدم أطباق الإفطار والغداء المصري، مثل الفول والطعمية والكشري، وقد حظي بإدراج في دليل ميشلان.
وهنا يبرز تساؤل يستحق الاهتمام: إذا كان المطبخ المصري قادرًا على الوصول إلى هذا التقدير خارج حدوده الجغرافية، فلماذا لا يحظى بالفرصة نفسها داخل مصر؟
المتحف المصري الكبير والوجهات السياحية الفاخرة.. فرصة تستحق الاستثمار
مع افتتاح المتحف المصري الكبير، واستمرار أعمال إعادة تهيئة وتطوير هضبة الأهرامات، إلى جانب وجود وجهات سياحية فاخرة في مدن العلمين والجونة وسوما باي ومكادي، فضلًا عن جزيرة الطويلة، تتعاظم فرص مصر في تقديم تجربة سياحية متكاملة تجمع بين المقومات التاريخية والطبيعية ومستويات الضيافة الراقية.
فهذه الوجهات تزخر بالمطاعم والفنادق المتميزة، وتمتلك مقومات تؤهلها للمنافسة على خريطة السياحة الفاخرة إقليميًا ودوليًا.
ومع ذلك، لا تزال المطاعم المصرية غائبة عن تصنيف نجوم ميشلان، في الوقت الذي شهدت فيه دول أخرى في المنطقة حضورًا لافتًا ضمن الدليل، ومنها الإمارات العربية المتحدة، عبر دبي وأبوظبي، إلى جانب السعودية وقطر.
وهذا الحضور الإقليمي يفتح الباب أمام تساؤل مهم حول كيفية استفادة مصر من مقوماتها السياحية والمطبخية، وتحويلها إلى حضور ملموس في التصنيفات العالمية المتخصصة.
ميشلان.. تحدٍّ وفرصة لتسويق المطبخ المصري
أرى أننا أمام تحدٍ حقيقي، لكنه في الوقت نفسه فرصة مهمة لإعادة تسليط الضوء على المطبخ المصري وقطاع الضيافة، والعمل على تسويقهما بصورة احترافية، بما يعزز مكانتهما في التصنيفات الدولية ويمنحهما التقدير الذي يستحقانه.
فالأمر لا يتعلق بمجرد الحصول على نجمة أو أكثر، وإنما ببناء منظومة متكاملة تضمن جودة الطعام، وتطوير الخدمة، والارتقاء بتجربة الزائر، والاهتمام بالتفاصيل التي تصنع الفارق في صناعة المطاعم الفاخرة.
ويتطلب ذلك أيضًا تعزيز التعاون بين الجهات السياحية، وأصحاب المطاعم، والطهاة، والمستثمرين في قطاع الضيافة، إلى جانب تطوير أدوات التسويق التجاري والإعلاني للمطبخ المصري، وتقديمه للعالم باعتباره جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية والحضارية لمصر.
ولا ينبغي أن يقتصر الطموح على نجوم ميشلان وحدها، بل يمكن أن يمتد إلى جائزة «بيب جورماند» (Bib Gourmand)، وهي إحدى الفئات المعروفة في دليل ميشلان، وتُمنح للمطاعم التي تقدم طعامًا جيدًا ومتميزًا بأسعار مناسبة ومعقولة.
وقد يمثل هذا التصنيف فرصة مهمة للمطاعم التي تقدم مأكولات مصرية عالية الجودة بأسعار في متناول شرائح أوسع من الزوار، بما يجمع بين التميز في الطهي والقيمة مقابل السعر.
إن إدراج المطاعم المصرية ضمن التصنيفات العالمية ليس مجرد إنجاز دعائي، بل يمكن أن يكون خطوة نحو تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، وإطالة مدة إقامة السائح، وزيادة إنفاقه، وفتح آفاق جديدة أمام الاستثمار في قطاع الضيافة.
فمصر التي تمتلك تاريخًا حضاريًا فريدًا ومطبخًا متنوعًا ووجهات سياحية عالمية، تستحق أن يكون لها حضور أقوى على خريطة المطاعم الدولية.. والسؤال ليس فقط متى تحصل مطاعمنا على نجوم ميشلان، بل كيف نهيئ لها الطريق للوصول إلى هذه المكانة؟
تابع موقع المؤشر علي تطبيق نبض

















