مروان حمدون
«ناصر».. كيمياء الزعامة بين سحر الكاريزما وتقشف الثائر
لا يزال جمال عبد الناصر، بعد أكثر من نصف قرن على رحيله، عصيًّا على التحوّل إلى مجرد صفحة في كتاب التاريخ. ليس لأنه حكم طويلًا، بل لأنه جسّد لحظة مصرية كثيفة لم تُحسم بعد. ناصر لم يكن رئيسًا فقط، بل حالة وجدانية وسياسية تشابك فيها المشروع الوطني مع سؤال الهوية، والسلطة مع الكرامة.
ما الذي جعل رجلًا واحدًا يتحوّل إلى رمز يتجاوز الجغرافيا والزمن؟، الإجابة لا تكمن في القرارات وحدها، بل في تلك الكيمياء الخاصة التي جمعت بين هيبة الدولة وبساطة الإنسان.
مغامرة السيادة: حين راهن ناصر على الكلمة
في يوليو 1956، لم يكن تأميم قناة السويس إجراءً اقتصاديًا عاديًا، بل مقامرة سيادية كاملة. كان «ناصر» يعرف أن ميزان القوة العسكرية لا يميل لصالح مصر، لكنه راهن على شيء آخر: شرعية القضية، وقوة الخطاب، وقدرة اللحظة على قلب المعادلة.
لم يتحدث بلهجة التابع، ولا بلغة المساومة. نطق القرار بصوت ثابت، فحوّل صراعًا على شركة إلى قضية كرامة وطنية، ثم إلى مواجهة عالمية أعادت تعريف علاقة الجنوب بالشمال. منذ تلك اللحظة، لم تعد القاهرة عاصمة دولة فقط، بل مركز ثقل رمزي لحركات التحرر في أفريقيا وآسيا. الكلمة عند ناصر لم تكن شرحًا للواقع، بل أداة لتغييره.
9 يونيو 1967: الهزيمة التي لم تُسقط الرمز
ليلة التنحي بعد هزيمة يونيو تظل من أكثر المشاهد إثارة للحيرة في التاريخ السياسي الحديث. الأنظمة عادةً تسقط مع الهزائم، لكن ناصر فعل العكس: أعلن تحمّل المسؤولية كاملة، ثم انسحب. ما تلا ذلك لم يكن دفاعًا عن الهزيمة، بل تمسّكًا بالرمز. خرجت الجماهير لا لتبرئة الأداء العسكري، بل لتقول إن الرجل ـ إن وجد له أخطاء ـ يمثل حلمًا جماعيًا لا يريدون له أن ينكسر. الهزيمة كسرت الجيوش، لكنها لم تكسر المعنى.
الزعيم الزاهد: مفارقة السلطة والحياة الخاصة
من أكثر ما عزّز صورة ناصر في الوعي الشعبي تلك المفارقة الواضحة بين اتساع سلطته وتقشف حياته، رجل يحكم دولة مركزية، ويتعامل مع قادة العالم، بينما يعيش حياة شخصية خالية من مظاهر الثراء أو الترف، لم تُستخدم السلطة لتكديس الثروات، ولا لتحويل الحكم إلى امتياز شخصي. هذا التقشف لم يكن تفصيلة هامشية، بل جزءًا من صدقية الزعامة. في بلد اعتاد رؤية الحاكم بعيدًا عن الناس، جاء «ناصر» ليكسر المسافة، لغويًا واجتماعيًا ونفسيًا.
ما وراء الكاريزما: مشروع الإنسان المصري
بعيدًا عن الخطابة، كان جوهر تجربة «ناصر» هو العدالة الاجتماعية بوصفها مشروع هوية، الإصلاح الزراعي استهدف تفكيك بنية اجتماعية قديمة، مجانية التعليم فتحت باب الحلم أمام طبقات كانت مستبعدة، السد العالي لم يكن مجرد مشروع هندسي، بل إعلانًا عن إرادة الدولة في السيطرة على مصيرها.
صحيح أن التجربة تثير جدلًا واسعًا حول الحريات والمناخ الديمقراطي، لكن اختزالها في هذا البعد وحده يُغفل السياق: مصر خارجة من استعمار، تبحث عن تماسك داخلي، وتعيد تعريف نفسها في عالم مضطرب. كان ناصرـ بكل تناقضاته ـ محاولة جريئة للإجابة عن سؤال مصري مزمن: كيف نكون دولة كاملة السيادة؟
لماذا لا يهدأ إرث ناصر؟
لم يكن جمال عبد الناصر معصومًا، لكنه كان مخلصًا لفكرته؛ لهذا لم يتحوّل إلى ذكرى هادئة، بل إلى حالة دائمة من الجدل والحنين والاستدعاء. رحل الجسد، وبقي “الناصريزم” لا كأيديولوجيا جامدة، بل كـحسّ مصري عميق يتوق إلى دولة عادلة، قوية، تعرف من هي، ولا تعتذر عن طموحها.
تابع موقع المؤشر علي تطبيق نبض




















