أحدث الأخبار

يكتب,مقالات,مستنقع الترند

رئيس التحرير
عبد الحكم عبد ربه
مستنقع الترند

مستنقع الترند

في عصر هيمنة وسائل التواصل، تحولت "الترندات" إلى ظاهرة يومية لا مفر منها، تنتشر كالنار في الهشيم وتخطف أنظار الملايين، ورغم أن بعضها قد يكون ممتعًا أو نافعًا، إلا أن هناك ترندات أخرى تحمل في طياتها أضرارًا نفسية بالغة، خصوصًا بين الشباب، فلم يعد الاشتراك في الترند مجرد وسيلة للتسلية، بل أصبح دافعًا قويًا يدفع البعض إلى سلوكيات غريبة ومحفوفة بالمخاطر، فقط لجذب الانتباه وكسب الإعجابات، نرى شبابًا يقلدون أفكارًا خطيرة، كالتصوير في أماكن غير آمنة أو خوض تحديات جسدية مؤذية، سعيًا وراء لفت الانتباه وتحقيق الانتشار السريع.

هذه الظاهرة تجاوزت فئة عمرية بعينها، بل طالت مختلف الأعمار، أصبح التركيز على الظهور وتحقيق التفاعل مسيطرًا على العقول، وتحولت الكاميرا إلى مرآة يومية، وأصبح عدد المشاهدات هو القيمة الحقيقية، لا جوهر المحتوى، هذا الإلحاح الدائم على المواكبة يولد ضغوطًا نفسية من المقارنة المستمرة أو الخوف من التخلف عن الركب، ما يؤثر سلبًا على الصحة النفسية والسلوك اليومي.

ومن أخطر الترندات التي ظهرت على "تيك توك"، " تحدي كتم الانفاس او تحدي الإغماء" (Blackout Challenge)،  حيث  يحبس الشخص أنفاسه أمام الكاميرا حتى يفقد وعيه ظنًا منه أنها لعبة مسلية، لكن الحقيقة المأساوية أن هذا التحدي أودى بحياة العديد في أوروبا والعالم العربي، بسبب الاختناق الناتج عن حبس النفس المتعمد.

ويبقى السؤال الأصعب: ماذا لو كان الترند نفسه — حتى وإن لم يكن مؤذيًا جسديًا — سببًا في دفع الشخص نحو الانهيار النفسي؟ هنا تظهر خطورة ما يُعرف بـ"العدوى الاجتماعية"، وهي ظاهرة تدفع الأفراد إلى تقليد السلوكيات المنتشرة والتأثر بها دون إدراك كامل لعواقبها، وقد ناقشت العديد من الدراسات تأثير هذه الظاهرة على السلوك الانتحاري، حيث أشار إلى أن التعرّض لسلوك انتحاري من الأصدقاء أو الأقران قد يزيد احتمالية التأثر به بنسبة 277%. كما أوضحت دراسة هولندية أن 30% من المراهقين الذين يعرفون شخصًا حاول الانتحار يصبحون أكثر عرضة للتفكير في إيذاء أنفسهم.

ولم تبقَ هذه الظاهرة مجرد أرقام أو نتائج دراسات، بل تجسدت في مواقف حقيقية مؤلمة، ومن أبرزها قصة المراهقة البريطانية مولي راسل، التي عُثر عليها متوفاة داخل غرفتها عام 2017. وخلال الأشهر التي سبقت وفاتها، تفاعلت مع أكثر من 16 ألف منشور على إنستغرام، كان من بينها ما يزيد على ألفي منشور مرتبط بإيذاء النفس والانتحار، وقد خلص التحقيق الرسمي إلى أن المحتوى الذي تعرضت له عبر وسائل التواصل الاجتماعي ساهم بشكل واضح في تدهور حالتها النفسية، في دلالة قوية على التأثير العميق والخفي الذي قد تتركه هذه المنصات على المستخدمين، خاصة المراهقين

وإذا كانت ظاهرة "العدوى الاجتماعية" قادرة على نقل السلوكيات الخطيرة بسرعة كبيرة بين الأفراد، فإن مواجهة هذه المشكلة تتطلب بناء نوع من الوعي أو "المناعة النفسية" داخل المجتمع. وتبدأ الخطوة الأولى من خلال تفعيل وسائل الحماية الرقمية، بحيث تعمل منصات التواصل الاجتماعي على رصد الترندات الخطيرة والتعامل معها بشكل سريع قبل انتشارها، مع إضافة تحذيرات واضحة وروابط للدعم النفسي عند عرض هذا النوع من المحتوى.

كما يجب ألا يبقى معيار النجاح قائمًا فقط على عدد المشاهدات والتفاعلات، بل ينبغي أن تتحمل المنصات مسؤوليتها تجاه المحتوى الضار، بحيث يصبح انتشار المحتوى الخطير سببًا للحد منه لا وسيلة لزيادة الترويج له، وإلى جانب ذلك، يظل دور الأصدقاء والمدرسة مهمًا للغاية، خاصة بعد أن أشارت الدراسة الهولندية إلى أن تأثر المراهقين بسلوك الأشخاص المقربين منهم قد يزيد من احتمالية التقليد بنسبة تصل إلى 727%. لذلك، من الضروري توعية المراهقين بكيفية التعامل مع الترندات الخطيرة، وتشجيعهم على طلب المساعدة أو الإبلاغ عن أي سلوك مقلق دون خوف أو خجل.

واحيانا، خاصة في الحالات الشديدة يصبح التدخل القانوني ضروريًا لمحاسبة المنصات التي تسمح بانتشار محتوى إيذاء النفس دون رقابة كافية، ولذلك أصبح  البناء الفكري والتحصين المبكر هو طريقنا من أجل مواجهة سلبيات الترند، فالوقاية الحقيقية تبدأ بتشكيل "فلتر داخلي" لدى الأبناء؛ من خلال تنمية التفكير النقدي وتدريبه على تفكيك المحتوى (لماذا صُنِع هذا الترند؟ ومن المستفيد منه؟) تجعله يرى الترند كظاهرة للملاحظة لا كنموذج للسلوك يمكن الاقتداء به، ويحدث ذلك من خلال  الاستباق التوعوي من الأسرة والمؤسسات التربوية جميعها فعندما تتوقع الأسرة أو المؤسسة التربوية الظواهر الرقمية القادمة أو تسابق بالحديث عن المفاهيم المطروحة في الفضاء العام بأسلوب هادئ وواقعي، تفقد هذه الترندات عنصر "الصدمة" أو "الإثارة" التي تستغرق الأبناء.