أحدث الأخبار

وزارة الإسكان,المؤشر,موقع المؤشر,هيئة التنمية السياحية,صندوق التنمية الحضارية,رئيس هيئة التنمية السياحية,مصطفى عبد الوهاب

رئيس التحرير
عبد الحكم عبد ربه

مصطفى عبد الوهاب يثير التساؤلات داخل وزارة الإسكان.. من أين تأتيه كل هذه المناصب؟ 

المهندس مصطفى عبد الوهاب  المؤشر
المهندس مصطفى عبد الوهاب

في كل مرة تتحدث فيها الدولة عن الإصلاح الإداري، وتمكين الكفاءات، وبناء مؤسسات قوية قادرة على تحقيق التنمية، يتجدد الأمل لدى آلاف أصحاب الخبرات والكفاءات بأن يكون معيار الاختيار هو العلم والخبرة والإنجاز؛ لكن الواقع في كثير من الأحيان يبدو مختلفاً، إذ تتكرر مشاهد صعود بعض المسؤولين إلى مواقع قيادية متعددة في وقت قياسي، بينما يقف أصحاب التاريخ المهني الطويل على مقاعد الانتظار بلا مناصب أو مهام وحتى أجور عن عملهم.

إن منح المناصب القيادية على أساس الثقة والتبعية، بعيداً عن معايير الكفاءة والخبرة، يظل واحداً من أكثر الملفات إثارة للجدل في كل المؤسسات الحكومية والوزارية؛ لأنه ينعكس بصورة مباشرة على كفاءة المؤسسات وقدرتها على تحقيق أهدافها. فالمؤسسات لا تُدار بالمجاملات، ولا تنهض بالعلاقات؛ وإنما تبنى بالخبرة، والرؤية، والقدرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية.

ولعل أخطر ما يترتب على هذا النهج هو إحباط الكفاءات الحقيقية، وإغلاق أبواب المنافسة العادلة، وإرسال رسالة سلبية إلى كل مجتهد مفادها أن سنوات العمل والنجاح قد لا تكون كافية للوصول إلى المواقع القيادية، إذا غابت "الثقة" و"التبعية" والقرب من أصحاب القرار، والإدارة الرشيدة تقوم على قاعدة واضحة لا خلاف عليها، وهي أن القوة في الأداء يجب أن تقترن بالأمانة والنزاهة، أما عندما تغيب معايير الكفاءة، فإن الأداء يتراجع، وتتراجع معه قدرة المؤسسة على الابتكار والتطوير، وتزداد مخاطر البيروقراطية وتضارب المصالح.

في وزارة الإسكان تزداد علامات الاستفهام عندما يجمع مسؤول واحد بين عدة مناصب قيادية، لكل منها طبيعة مختلفة واختصاصات تحتاج إلى التفرغ الكامل، فكيف يمكن لأي مسؤول، مهما بلغت قدراته، أن يؤدي مهام مؤسسات مختلفة بالكفاءة نفسها، وفي الوقت نفسه؟!.

صاحب المناصب المتعددة

المهندس مصطفى عبدالوهاب، يُعد مثالًا صارخًا على تعدد المناصب القيادية التي تحتاج كل منها لتفرغ تام، ولأنه المقرب من المهندس خالد صديق المشرف على مكتب وزيرة الإسكان؛ توالت عليه المناصب القيادية الواحدة تلو الأخرى.

ويبرز اسم المهندس مصطفى عبد الوهاب باعتباره أحد النماذج التي أثارت هذه التساؤلات، بعدما تدرج في عدد من المواقع المهمة داخل الوزارة وخارجها، فقد شغل منصب معاون وزير الإسكان خلال الفترة من 2017 حتى 2024، ثم معاون المشرف على مكتب وزير الإسكان، كما عمل مستشاراً فنياً للتنمية العمرانية بمكتب رئيس مجلس الوزراء بين عامي 2020 و2024.

وفي أكتوبر 2024، تولى منصب نائب رئيس صندوق التنمية الحضرية، أحد أهم الكيانات التنموية التابعة لمجلس الوزراء، والذي يقود عدداً من أكبر مشروعات التطوير الحضري في مختلف المحافظات، ويُعد من الركائز الأساسية في تنفيذ رؤية الدولة لإعادة تطوير المناطق غير المخططة وتحقيق التنمية العمرانية المتكاملة.

ولم تتوقف التكليفات عند هذا الحد، إذ تولى في مارس 2026 منصب مستشار وزيرة الإسكان للتطوير والتخطيط، قبل أن يصدر قرار في 25 يونيو 2026 بتعيينه رئيساً للجهاز التنفيذي للهيئة العامة للتنمية السياحية، ليصبح مسؤولاً عن إدارة ملفات متعددة، لكل منها طبيعة مختلفة واختصاصات واسعة تحتاج إلى متابعة يومية وتفرغ كامل.

أهل الثقة يتقافزون على أكتاف المناصب

هذه الوقائع تفتح باباً واسعاً للتساؤل، لا عن شخص بعينه، وإنما عن فلسفة توزيع المسؤوليات داخل مؤسسات الدولة. فإذا كانت كل جهة من هذه الجهات تضطلع بملفات استراتيجية ومشروعات بمليارات الجنيهات، فكيف يمكن الجمع بينها في وقت واحد دون أن يتأثر مستوى المتابعة أو كفاءة الأداء؟ وهل يخدم تركيز هذه المسؤوليات في يد شخص واحد مبدأ الحوكمة الذي تؤكد الدولة التزامها به؟.

كل هذه المناصب التي يشغلها في آن واحد وكل منها تحتاج لتفرغ كامل وعلى رأسها صندوق التنمية الحضارية صاحب المجهودات الكبيرة والبارزة في تغيير مفهوم التنمية العمرانية بمحافظات مصر، خاصة في الفترة التي كلف بها رئيس الصندوق المهندس خالد صديق بالعمل مشرفًا على مكتب وزيرة الإسكان.

وإذا كانت كل جهة من هذه الجهات تتحمل مسؤوليات ضخمة وملفات معقدة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف يمكن الجمع بينها دون أن يتأثر مستوى الأداء أو سرعة اتخاذ القرار أو جودة المتابعة؟، وما يثار أن الأمر لا يتعلق بشخص بعينه بقدر ما يتعلق بمبدأ عام ينبغي أن يحكم مؤسسات الدولة كافة؛ فالمناصب القيادية ليست وجاهة اجتماعية، ولا مكافأة شخصية، وإنما مسؤولية ثقيلة تتطلب التفرغ والخبرة والقدرة على الإنجاز.

ومن حق الرأي العام أيضاً أن يطلع على الأسس التي استندت إليها قرارات الاختيارـ أيّن ما كانت المؤهلات العلمي التي استندت إليها هذه الترقيات ـ وما الخبرات التنفيذية التي أهلت صاحبها لتولي هذه المسؤوليات المتعددة؟ وما الإنجازات التي تحققت في كل موقع شغله؟ وما الحاجة لاختيار شخص واحد لكل هذه المناصب في ظل وجودعشرات، بل مئات، من القيادات داخل هيئة المجتمعات العمرانية ووزارة الإسكان، ممن أفنوا سنوات طويلة في العمل الميداني، واكتسبوا خبرات فنية وإدارية كبيرة، وكانوا يتطلعون إلى فرص عادلة لتولي المسؤولية وشغل منصب واحد من هذه المناصب المتعددة، هؤلاء يستحقون أن تكون المنافسة بينهم قائمة على الكفاءة والإنجاز، لا على اعتبارات أخرى، فبناء دولة قوية يبدأ من بناء مؤسسات قوية، والمؤسسات القوية لا تعرف سوى لغة الكفاءة، فكل منصب يجب أن يذهب إلى الأقدر على حمل أمانته، وكل مسؤول يجب أن يخضع للتقييم والمحاسبة وفق نتائج عمله، لا وفق حجم النفوذ أو دائرة العلاقات.

ظاهرة المهندس مصطفى عبد الوهاب فتحت باب التساؤلات: هل أصبحت الخبرة وحدها غير كافية للوصول إلى المواقع القيادية؟ وهل باتت الكفاءات الحقيقية مطالبة بالاكتفاء بالمشاهدة، بينما تتكرر ظاهرة تركيز المناصب في أيدي عدد محدود من الأشخاص؟، فاحترام الكفاءة ليس ترفاً إدارياً، بل هو الضمان الحقيقي لاستمرار مؤسسات الدولة في أداء رسالتها، وتحقيق أهدافها، وصناعة مستقبل يقوم على العدالة وتكافؤ الفرص، بعيداً عن أي انطباع بأن "أهل الثقة" يتقدمون دائماً على حساب "أهل الخبرة".