أحدث الأخبار

يكتب,مقالات,حياة كريمة,المؤشر,محمود عوض

رئيس التحرير
عبد الحكم عبد ربه
المشروع القومي «حياة كريمة».. بين الحلم والحقيقة

المشروع القومي «حياة كريمة».. بين الحلم والحقيقة

لا شك أن مشروعات التنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بحجم ما يتم إنفاقه أو عدد المشروعات التي يتم تنفيذها؛ وإنما بما تتركه من أثر في حياة المواطنين، وما تحدثه من تغيير حقيقي في واقعهم اليومي، ومن هذا المنطلق، يأتي المشروع القومي لتنمية الريف المصري «حياة كريمة» باعتباره تجربة تنموية استثنائية تستحق التوقف أمامها، ليس فقط باعتبارها مشروعًا قوميًّا ضخمًا، ولكن باعتبارها حلمًا تحول إلى حقيقة على أرض الواقع.

من فكرة طموحة إلى واقع ملموس.. شهادة من قلب التجربة التنفيذية لأحد أكبر مشروعات التنمية في تاريخ الريف المصري

أتذكر جيدًا يوم 15 يوليو 2021، حين شهدت، كما شاهد الملايين من أبناء الشعب المصري، المؤتمر الأول للمشروع القومي لتنمية الريف المصري «حياة كريمة» باستاد القاهرة الدولي، بحضور فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية.

لكن استماعي إلى كلمة فخامة الرئيس في ذلك اليوم لم يكن كأي مستمع؛ فقد كنت أحد المشاركين في المراحل التمهيدية للمبادرة، من خلال عملي بالجهاز المركزي للتعمير التابع لوزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، حيث تشرفت بالتكليف بالمشاركة في أعمال المعاينات الميدانية وحصر الاحتياجات وتحديد المشروعات الخدمية المطلوبة للعزب والتوابع، قبل القرى، وذلك بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني وعمد ومشايخ القرى، منذ انطلاق المبادرة عام 2019.

ومن واقع تلك التجربة، لمست بنفسي حجم التحديات التي كانت أمامنا؛ فحجم الاحتياجات الخدمية، وتعدد المشروعات المطلوبة، واختلاف طبيعة المناطق وظروفها، كانت جميعها تحديات كبيرة تتطلب جهدًا استثنائيًّا وتنسيقًا مستمرًّا بين مختلف الجهات، وزادت هذه التحديات صعوبة مع ما شهده العالم من جائحة كورونا، وما صاحبها من آثار اجتماعية واقتصادية ألقت بظلالها على مختلف قطاعات العمل.

ثم جاء مؤتمر 15 يوليو 2021 ليشكل نقطة تحول فارقة؛ حين استمعت إلى إعلان فخامة الرئيس تبنيه للمشروع وتدشينه باعتباره مشروعًا قوميًّا رئاسيًّا، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة، انتقلنا فيها من مرحلة تحديد الاحتياجات ورسم ملامح الحلم إلى مرحلة التنفيذ الفعلي على أرض الواقع.

وهنا بدأت تتجسد معالم «حياة كريمة» في مشروعات غيرت شكل الخدمات المقدمة داخل القرى المصرية، فلم يكن الأمر مجرد إنشاء مبانٍ أو تطوير بنية تحتية، بل كان إعادة تنظيم للحياة اليومية للمواطن الريفي، وتيسيرًا لحصوله على الخدمات الأساسية بالقرب من محل إقامته.

فقد شهدت المرحلة الأولى تنفيذ مجمعات الخدمات الحكومية، التي جمعت تحت سقف واحد عددًا من الخدمات والمصالح الحكومية، من بينها الوحدة المحلية، ومكاتب البريد، والسجل المدني، والشهر العقاري، والتموين، واستقبال المواطنين، والمجالس الشعبية المحلية، وخدمات التضامن الاجتماعي، بما يحقق سهولة الوصول إلى الخدمات ويوفر على المواطنين مشقة الانتقال بين الجهات المختلفة.

كما تضمنت المشروعات إنشاء مجمعات الخدمات الزراعية والبيطرية، وتطوير وإنشاء الوحدات الصحية المؤهلة للانضمام إلى منظومة التأمين الصحي الشامل، ومراكز الشباب المزودة بالملاعب الخماسية والسباعية وفقًا للمساحات والأراضي المتاحة، إلى جانب مراكز تنمية الأسرة والطفولة، ومراكز التأهيل الشامل لذوي الإعاقة، ووحدات الإسعاف، فضلًا عن رصف الطرق الداخلية بالقرى، وإنشاء الكباري السطحية التي تسهم في تحسين الربط بين القرى وتيسير حركة المواطنين.

ولعل ما يميز هذه التجربة هو تعدد طبيعة المشروعات واختلاف جهات الولاية التابعة لها ، الأمر الذي جعل التنسيق والتكامل بين الجهات المعنية عنصرًا أساسيًّا في نجاحها. وقد كان من أعظم لحظات الرضا المهني والإنساني أن نرى هذه المشروعات وقد اكتمل تنفيذها، وتم تسليمها إلى جهات الولاية المختلفة تمهيدًا لتشغيلها وتقديم خدماتها للمواطنين، لتتحول نتائج المعاينات والاحتياجات التي رصدناها في البداية إلى منشآت وخدمات قائمة يستفيد منها أهالينا في القرى.

وبالنسبة لي، لم تكن مشروعات «حياة كريمة» مجرد مهمة وظيفية أو مرحلة من مراحل العمل التنفيذي، بل كانت تجربة ثرية شكلت جانبًا مهمًّا من شخصيتي المهنية والإنسانية، فقد تعلمت من خلالها فن التعامل مع المواطنين والاستماع إلى احتياجاتهم، وأهمية التنسيق مع المسؤولين ومختلف جهات الولاية، كما أسهمت في تشكيل وعيي بقضايا التنمية والعمل العام، وأتيحت لنا فرصة المشاركة لتأهيلنا ككوادر شابة قادرة على تحمل المسؤولية والقيادة والعطاء.

ورغم ما صاحب مراحل التنفيذ والتسليم من جهد وتحديات وضغوط عمل، كانت نظرات الرضا في عيون المواطنين، وشعورهم بأن الخدمات أصبحت أقرب إليهم، خير تقدير لكل ما بُذل من جهد، وأكبر حافز للاستمرار في العمل والعطاء.

أتوجه، كمواطن مصري، بخالص الشكر والتقدير لفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، على رعايته ودعمه لهذا المشروع التنموي القومي، الذي وضع تنمية الريف المصري وتحسين جودة حياة مواطنيه في صدارة أولويات الدولة، وعلى توجيهاته باستكمال مسيرة المبادرة من خلال مراحلها التالية، بما يعزز ما تحقق ويفتح آفاقًا جديدة للتنمية.

كما أتوجه، من واقع مسؤوليتي وتجربتي التنفيذية، بخالص الشكر والتقدير إلى مؤسسات المجتمع المدني، وعمد ومشايخ القرى، ومسؤولي جهات الولاية المختلفة، وكل من شارك وأسهم في إنجاز مشروعات المرحلة الأولى، على ما قدموه من تعاون وجهد كان لهما بالغ الأثر في الوصول إلى هذه النتائج.

إن «حياة كريمة» لم تكن مجرد حلم بتنمية الريف المصري، بل كانت إرادة تحولت إلى عمل، وعمل تحول إلى إنجاز، وإنجاز أصبح واقعًا يلمسه المواطن في قريته وبيته وحياته اليومية.. تحيا مصر دائمًا وأبدًا.

م. محمود عوض مدير تنفيذ – الجهاز المركزي للتعمير وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية.