أحدث الأخبار

يكتب,مقالات,المؤشر,فلسطين,ياسر عرفات

رئيس التحرير
عبد الحكم عبد ربه
ياسر عرفات.. الرجل الذي جمع فلسطين في قبضة واحدة

ياسر عرفات.. الرجل الذي جمع فلسطين في قبضة واحدة

في الحادي عشر من نوفمبر، لا تستعيد فلسطين مجرد ذكرى رحيل رئيسها الراحل ياسر عرفات، بل تستعيد لحظة فارقة في تاريخ مشروعها الوطني؛ لحظة غاب فيها الرجل الذي استطاع على مدار عقود، أن يجعل من القضية الفلسطينية عنوانا لا يمكن تجاوزه في معادلات الشرق الأوسط، وأن يحوّل اسم فلسطين من جغرافيا محاصرة إلى قضية سياسية تتصدر المحافل الدولية.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرح: ماذا كان يمثل للفلسطينيين؟ بل ماذا بقي من المشروع الذي مثّله، وهل نجحت السياسة الفلسطينية في الانتقال من مرحلة الزعيم الذي يجمع الشتات إلى مرحلة المؤسسة التي تحمي الحق الوطني؟، لم يكن ياسر عرفات مجرد قائد لحركة فتح، أو رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية، بل كان أحد أبرز مهندسي إعادة تشكيل الهوية السياسية الفلسطينية في القرن العشرين.

في مرحلة كانت فيها القضية الفلسطينية تتأرجح بين الوصاية العربية، وتوازنات الحرب الباردة، وحسابات الأنظمة الإقليمية، استطاع عرفات أن يعيد تثبيت الفلسطيني باعتباره صاحب القضية، لا مجرد طرف ينتظر أن تتحدث العواصم نيابة عنه، وكانت تلك إحدى أهم معاركه الاستراتيجية: استعادة القرار الوطني الفلسطيني من التبعية، وتثبيت منظمة التحرير باعتبارها الإطار السياسي الذي يعبر عن الشعب الفلسطيني.

لقد أدرك «عرفات» مبكرا: أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل على حق الفلسطيني في أن يكون حاضرًا في السياسة الدولية بوصفه شعبًا له قضية وحقوق وتطلعات وطنية، وهنا تكمن القيمة التاريخية الحقيقية للرجل؛ فقد نجح في نقل القضية الفلسطينية من هامش الصراع العربي الإسرائيلي إلى قلب النظام السياسي الدولي.

من البندقية إلى طاولة التفاوض.. معركة لم تنته، فلم يكن المسار السياسي لعرفات خطا مستقيما، بل كان مليئا بالتناقضات والتحولات، من العمل الفدائي إلى الاعتراف الدولي، ومن بيروت إلى تونس، ثم العودة إلى الأراضي الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو؛ خاض عرفات رحلة سياسية شديدة التعقيد، حاول خلالها الجمع بين شرعية المقاومة، ومتطلبات الدبلوماسية، وطموح إقامة الدولة.

كان اتفاق أوسلو عام 1993 نقطة تحول كبرى في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية؛ إذ فتح الباب أمام إقامة السلطة الفلسطينية، لكنه لم ينهِ الاحتلال، ولم يحسم قضايا القدس واللاجئين والحدود والمستوطنات، وهنا بدأت المعضلة الاستراتيجية التي لا تزال فلسطين تعيش تداعياتها: كيف يمكن بناء سلطة وطنية تحت الاحتلال، دون أن تتحول إدارة الحياة اليومية إلى بديل عن التحرر الوطني؟.

لقد دخل عرفات مرحلة السلطة محمّلا بآمال الدولة، لكنه اصطدم بواقع سياسي وأمني لا يملك فيه الفلسطينيون السيطرة الكاملة على الأرض أو الحدود أو الموارد، ولذلك فإن تقييم تجربته لا يجوز أن يكون احتفالًا عاطفيًا، ولا محاكمة سياسية تختزل تاريخا طويلًا في اتفاق واحد؛ بل قراءة شاملة لمرحلة حاولت فيها القيادة الفلسطينية انتزاع الممكن من واقع بالغ الصعوبة، مع ما صاحبها من إخفاقات في بناء مؤسسات مستقرة وفاعلة.

وربما كانت إحدى أعقد مفارقات تجربة «عرفات» أنه نجح في بناء زعامة وطنية واسعة، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في بناء نظام سياسي قادر على الاستمرار بذات القوة دون وجوده.

لقد ارتبطت شرعية القرار الفلسطيني بدرجة كبيرة بشخص ياسر عرفات، وبقدرته على إدارة التناقضات بين الفصائل، والتعامل مع القوى الإقليمية والدولية، والحفاظ على خيوط التواصل مع أطراف متعارضة.

لكن الزعامة التي تستطيع احتواء الجميع بقدرتها الشخصية قد تتحول، بعد رحيلها، إلى فراغ يصعب ملؤه، وهنا لم يكن غياب «عرفات» مجرد غياب رئيس، بل كان اختبارا لبنية الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها، فهل يمكن لمشروع تحرر وطني أن يستمر إذا كانت مؤسساته أقل قوة من رموزه؟ وهل تستطيع القضية أن تحافظ على وحدتها إذا أصبحت شرعية التمثيل موزعة بين سلطات وفصائل ومراكز نفوذ متنافسة؟.

هذه الأسئلة لم تعد نظرية، بل أصبحت جزءا من الواقع الفلسطيني المعاصر، ولعل السؤال الأكثر إلحاحا: ماذا لو كان ياسر عرفات حاضرا اليوم، بينما تقف السلطة الفلسطينية أمام فراغ سياسي متصاعد، في ظل تأجيل الانتخابات وتراجع الشرعية الانتخابية، وتهديدات وجودية تطال بنية السلطة ودورها ومستقبلها؟، هل كان سيقبل أن تتحول المؤسسات الفلسطينية إلى هياكل معلّقة، أم كان سيبحث عن مخرج سياسي يعيد تجديد الشرعية ويمنع انهيار منظومة التمثيل الوطني؟.

 الأرجح أن «عرفات»، بما امتلكه من براعة في إدارة المشهد، كان سيدرك أن أخطر ما تواجهه فلسطين ليس فقط ضغوط الاحتلال، بل فقدان القدرة على إنتاج قرار وطني مستقل، فالرجل الذي استطاع أن ينتزع اعتراف العالم بالشخصية الفلسطينية كان سيجد نفسه أمام معركة جديدة، إنقاذ المشروع الوطني من فراغ القيادة، وإعادة جمع أوراق القوة الفلسطينية قبل أن يتحول غياب الحل السياسي إلى واقع يصعب تغييره، وبروح جديدة تعيد تجديد المؤسسات وتُحقق انتخابات رئاسية وتشريعية فورية، وتعيد بناء الإسناد الدولي بالطريقة التي نجحت مع أبو عمار في 1993، وربما كان سيعيد طرح معادلته القديمة بصيغة أكثر إلحاحا: لا دولة بلا شرعية، ولا شرعية بلا شعب، ولا مستقبل لقضية وطنية إذا تُرك قرارها رهينة الفراغ، ولعل ملفات أيلول الأسود وخطابات «أبو عمار» في الثمانينيات والتسعينيات، والتي تُظهر رفضه القاطع لأي تحالف مع حماس بعد أن رأى كيف أدت المشاركة السياسية مع فتح في 1994-1996 إلى تآكل السلطة قبل 2006.. لو كان حيا، لكان عاد نفس المشهد، ورأى كيف فشل أي شريك داخلي أيضا، فكان سيفوض مصر بـمسار السلام أو بلجنة تقنيه لإعادة إدارة غزة أو بحكومة انتقالية إذا رفضت حماس، تماما كما رفض أي فصيل يرفض السلام. 

لو كان حيا، كان سيقول، مصر هي الراعي العربي الحقيقي لأنها هي من ساعدتنا في 1993، فهي الضمانة الأخيرة للمشروع الوطني.